لا تعد هذه الدراسة مجرد رصد لغوي عابر للمصطلحات الشائعة، بل هي محاولة علمية جادة لاختراق "الصندوق الأسود" لكيفية تشكل الهوية اللسانية في العصر الرقمي؛ حيث يطرح الباحث أحمد سالم سيدي مفهوماً ثورياً يُعرف بـ "الجوار الافتراضي" الذي تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية ليخلق مساحة تماس يومية مكثفة أدت إلى ذوبان الفوارق اللهجية الدقيقة وبروز ما يصفه بـ "الكوينه الرقمية" أو اللسان الثالث. وتكمن القوة الحقيقية لهذا البحث في تجاوزه للوصف التأملي التقليدي إلى القياس الكمي الصارم، عبر ابتكار مؤشر رياضي أصيل يُدعى (CBI)، وهو نموذج حاسوبي لا يكتفي برصد تكرار الكلمات، بل يحلل ديناميكية انتشارها واستقرارها بناءً على متغيرات معقدة تشمل قدرة المفردة على عبور الحدود القطرية، ومرونتها في الانتقال بين سياقات السخرية والنقاش الجاد، ومدى صمودها أمام "موضات" الإنترنت العابرة، بالإضافة إلى قياس الجهد الإدراكي الذي يبذله المتلقي لفهمها.
ومن خلال معالجة البيانات الضخمة التي شملت مئات الآلاف من الوحدات اللغوية المستقاة من منصات فيسبوك ويوتيوب وريديت، أثبت البحث أن كلمات مثل "بزاف" و"مزيان" و"صافي" قد تحولت من محليتها الضيقة لتصبح "كلمات جسرية" تشكل النخاع الشوكي لهذا اللسان الجديد، محققةً أعلى القيم الرياضية في مؤشر الاستقرار والاندماج. وتكشف النتائج أن الفضاء الرقمي يعمل بمثابة "مسرع جزيئات لغوي" يختصر قروناً من التطور اللساني الطبيعي في سنوات قليلة، مما وضعنا أمام لسان يتسم بالبراغماتية العالية، يبتعد عن تعقيد الفصحى وانغلاق اللهجات المحلية، ويفرض نفسه كواقع جديد يجب أن تلتفت إليه هندسة اللغات الطبيعية والذكاء الاصطناعي. إن هذا العمل العلمي يمثل دعوة ملحة لإعادة النظر في كيفية تدريب النماذج اللغوية الضخمة وصياغة المحتويات الإعلامية والتربوية، بما يضمن استثمار هذه "النواة اللسانية" الموحدة لتعزيز التقارب الثقافي وضمان انتشار المحتوى العابر للحدود في المنطقة المغاربية، معلناً بذلك ولادة هوية لغوية صاغتها التكنولوجيا قبل أن تقرها المجامع اللغوية


