هَلْ كانتْ قُريشُ وهي تنظرُ إلى الجنوبِ... ثمّ تراهم كُثرةً تحتاجُ إلى اسْمٍ واحدٍ جامع؟
عَرف جنوب الجزيرة العربية حضارات عظيمة قويّة؛ إنما لم تبحث عن اسمٍ يجمعها. لم نقرأ في المسكوكات أو نعثر في النقوش إلا على سبأ وحمير وحضرموت وقتبان و.... ولم يقل أحدٌ أننا اليمن؛ لكن ماذا عن صرخة عبد يغوث المدحجي:
" كَأَن لَمْ تَرَ قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيًّا؟
لم يكنِ الإسلام عند ظهوره معنيّاً بابتداع مسميات جغرافية جديدة، بقدر ما عمل على إعادة ترتيب المعنى داخل المسميات القديمة؛ إذ تُبيّن الدراسة أن اسم (اليمن) استقر في العصر الإسلامي كعلمٍ جغرافي واضح الدلالة والمجال، وتحول من مجرد (جهة جنوبية) نسبية (تقابل الشام/ الشمال) إلى حيّز للهويّة الجامعة.
وقد تجلّى هذا الاستقرار الدلالي في الخطاب النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم الذي تعامل مع اليمن بوصفه جماعة بشرية مُتخيلة ذات انتماء واحد جهويا وعرقيا، لها سمات أخلاقية تتجاوز الانتماء القبلي الضيق، كما في الحديث المشهور في البخاري ومسلم:
" أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ قُلُوباً وَأَلْيَنُ أَفْئِدَةً، الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ".
إن اختيار هذا الاسم الواسع بدلاً من التسميات السياسية أو القبلية كـسبأ أو حمير، أو كندة وحضرموت ثَبّت اليمن في الوعي الإسلامي المبكّر كاسم انتماء لا مجرد موقع واتجاه جغرافي. ويظهر نضج هذا الوعي في كون التسمية سبقت التنظيم الإداري؛ فقد بُعث الولاة إلى (اليمن) بوصفه مجالاً معروفاً بذاته، كما في إرسال معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب إلى (اليمن). ومع بروز الصراعات السياسية في العصر الأموي، وتحديداً حروب "القيسية واليمنية" التي سنشير لها في مبحث قادم، تكرس هذا المسمى الجغرافي كإطار جامع لكل قبائل الجنوب في مواجهة الآخر، وهو ما أكدته شواهد الشعر العربي وارهاصاته كقول امرئ القيس:
"دُمُونَ إِنَّا مَعْشَرَ يَمَانُونَ"
وقول عبد يغوث المذحجي:
""كَأَنَّ لَمْ تَرَ قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا.
وبذلك، لم يمنح الإسلام اليمن حدوداً جغرافية فحسب، بل منحه هويةً ثقافيةً ورسوخاً في الوعي الجمعي، جعل من الاسم انتماءً أوسع من القبيلة، وأسبق من التنظيمات الإدارية، وأبقى من تقلبات السلطة السياسية
خلاصة القول: لم يأتِ الإسلام ليؤسس دولة اسمها اليمن، ولا ليمنح الجنوب كيانًا سياسيًا مستقلًا، بل جاء ليؤدي الدور الأعمق: أن يثبّت الاسم في الوعي الجمعي، ويحرّره من كونه جهة نسبية، ويحوّله إلى هوية ذات معنى. فبعد الإسلام، لم يعد اسم اليمن استعمالًا عابرًا، بل صار اسمًا مستقرًا في النصوص، يُذكر دون شرح، ويُفهم دون تحديد، كأن الوعي الجمعي قد اعترف به نهائيًا.
وهكذا توحدَ الجنوبُ لغويا، قبل وحدته السياسية؛ واستبق الاسم الدولة كما تسبق الروح الجسد.
اليَمَنُ، وأنا أَبُو يَمَان....اليَمَنُ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا نِصْفَيْنِ إِلَّا حِينَ نَسِيَ اسْمَهُ!