/حسين علي باهميل
لم تعد المشكلة في الجنوب اليوم خلافًا سياسيًا حول الوسائل أو الرؤى، بل تحوّلت إلى أزمة أخلاقية في جوهر الخطاب نفسه. فبينما يُرفع شعار “تحرير الجنوب” في المنابر والفعاليات، تكشف الوقائع اليومية عن مسار مختلف تمامًا؛ مسار تتضخم فيه الثروات الخاصة، وتُشترى العقارات، وتُبنى المصالح الشخصية، فيما يتراجع المشروع الوطني إلى الخلف.
هذه ليست المرة الأولى التي تعيش فيها القضية الجنوبية مثل هذا التناقض. ففي مراحل سابقة من تاريخ الجنوب، تحوّلت الشعارات الكبرى إلى أدوات للتمكين السياسي والإقصاء، ثم إلى وسائل للسيطرة على القرار والثروة معًا. ومع مرور الوقت، اكتشف الناس أن بعض النخب لم تكن ترى في الوطن مشروع بناء، بل فرصة سلطة.
المأزق الحقيقي اليوم أن جزءًا من الخطاب السياسي لا يزال يراهن على ذاكرة قصيرة لدى الناس، وكأن الشعب لا يرى حجم التباين بين القول والفعل. لكن المجتمعات، خصوصًا تلك التي دفعت أثمانًا باهظة من الحروب والفقر والانقسام، تصبح أكثر حساسية تجاه التناقضات. الناس لم تعد تسأل عن الشعارات، بل عن النتائج: ماذا تحقق للجنوب؟ ماذا تغيّر في حياة المواطنين؟ أين الدولة التي وُعدوا بها؟
تحرير الأوطان لا يكون بتكديس الأموال ولا بتوسيع الملكيات الخاصة، بل ببناء مؤسسات عادلة، وإدارة شفافة، وإشراك حقيقي لكل المكونات دون احتكار أو وصاية. وعندما تتحول القضية إلى سلّم للصعود الشخصي، فإنها تفقد معناها الأخلاقي قبل أن تفقد مشروعيتها السياسية.
إن أخطر ما يواجه الجنوب اليوم ليس الخصوم في الخارج، بل فقدان الثقة في الداخل. فالشعوب قد تتحمل الفقر، لكنها لا تتحمل الشعور بأن تضحياتها استُخدمت لمصالح ضيقة. وحين تتآكل الثقة، يصبح أي مشروع سياسي مهما كان عادلاً عاجزًا عن الاستمرار.
الجنوب لا يحتاج مزيدًا من الشعارات، بل مراجعة صادقة تعيد الاعتبار لفكرة أن القضية أكبر من الأشخاص، وأن التحرير الحقيقي يبدأ بتحرير السياسة من المصالح الشخصية، وإعادة ربطها بالناس وهمومهم اليومية. وحده هذا المسار يمكن أن يعيد للقضية معناها، ويمنحها فرصة حقيقية للخروج من دائرة الاستهلاك السياسي إلى البناء الوطني.