آخر تحديث :الأحد-29 مارس 2026-12:46ص

أغلال الموروث وأنوار الوحي: نحو استعادة العقل المسلم

الثلاثاء - 10 فبراير 2026 - الساعة 04:39 م
محمد محسن الجوهري

بقلم: محمد محسن الجوهري
- ارشيف الكاتب


تعتبر العلاقة بين النص الإلهي المطلق والفهم البشري النسبي واحدة من أعقد الإشكاليات التي تواجه العقل المسلم في العصر الحديث. فبينما يفيض القرآن الكريم بدعوات صريحة ومتكررة لإعمال العقل والتدبر كفعل إيماني لا يستقيم التدين بدونه، نجد في الواقع هيمنة واضحة لسلطة "الشارح" على حساب "النص"، ولسلطة "التقليد" على حساب "الاستبصار". إن المعضلة لا تكمن في جوهر الدين، بل في "الوصاية الفكرية" التي فرضتها مدارس معينة، جعلت من أقوال الرجال وفتاوى الفقهاء أسواراً تحجب ضوء الكتاب وتصادر حق المؤمن في التواصل المباشر مع خالقه.


إن أخطر ما يواجه الوعي اليوم هو حالة "التأطير المذهبي" التي تنقل الفرد من رحابة الوحي إلى ضيق الانتماء الطائفي. فبدلاً من أن يكون القرآن هو الميزان الذي تُعرض عليه الأفكار والمواقف التاريخية، أصبح الموروث البشري هو الحاكم على النص. لقد أدى هذا الانحراف إلى ظهور ما يمكن تسميته بـ "صنمية الأشخاص"، حيث تُمنح آراء علماء من عصور غابرة قدسية تتجاوز أحياناً صريح المحكمات القرآنية. فصار يُقبل تبرير "البغي" أو "الظلم" أو "إراقة الدماء" إذا ما صدرت عن رموز تاريخية معينة، بينما يُهمش النص القرآني الذي يحرم القتل والبغي والعدوان قطعياً. إن هذا التناقض الصارخ يكشف عن عمق الأزمة؛ فالعقل الذي يُعطل أمام "قول الشيخ" هو عقل مستقيل، عجز عن إدراك أن الحق لا يُعرف بالرجال، بل الرجال هم مَن يُعرفون بالحق.


ولعل جذور هذه الأزمة تعود إلى تداخل الدين بالسياسة عبر التاريخ، حيث جرى تطويع المذاهب لخدمة السلطة، ونشأت طبقة من "الكهنوت المبطن" التي تحتكر فهم الدين وتوزع صكوك الحق والضلال. هذه الطبقة تستخدم "التهم المعلبة" كفزاعة لإرهاب كل من يحاول إعمال عقله أو إعادة قراءة التاريخ بميزان الأخلاق القرآنية؛ فكل نقد للموروث يُقابل بتهم التبديع أو المروق أو الانتماء لفرق ضالة، بهدف عزل صوت العقل وإبقاء الجماهير في حالة من التبعية العمياء. إن هذا الإرهاب الفكري يغفل حقيقة كبرى، وهي أن الرعيل الأول من المسلمين لم يبلغوا شأوهم العظيم إلا بفضل فطرتهم المتحررة من أغلال المذهب، وبسبب تدبرهم الصافي للوحي الذي جاء ليحرر الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.


إن استعادة العقل المسلم تتطلب شجاعة أخلاقية في المقام الأول؛ شجاعة في رفض "التبعية" والعودة إلى "البصيرة". فالله سبحانه وتعالى خاطب "أولي الألباب" ولم يضع وسيطاً بين العبد وكلماته، كما حمّل كل إنسان مسؤولية قراره الأخلاقي والشهادة لله بالحق، ولو على نفسه. إن المسلم اليوم مدعو لأن يكون "قرانياً" في تفكيره، يرفض أن يُقاد خلف فتاوى تكرس الكراهية أو تهمش قيم العدل والإحسان التي هي جوهر الرسالة. إن النجاة الحقيقية تكمن في الإيمان بأن الطريق إلى الله يمر عبر التفكير لا التقليد، وعبر البحث المستقل لا الاتباع الذليل، لأن الوقوف بين يدي الخالق في اليوم الآخر سيكون وقوفاً فردياً، ولن تُقبل فيه أعذار "أطعنا سادتنا وكبراءنا" إذا ما اصطدمت تلك الطاعة مع نور الكتاب وفطرة الحق.