آخر تحديث :الثلاثاء-03 مارس 2026-09:50م

بين مسؤول يعمل وحكومة تكتفي بالمشاهدة

الثلاثاء - 10 فبراير 2026 - الساعة 05:47 م
غمدان ابواصبع

بقلم: غمدان ابواصبع
- ارشيف الكاتب


/غمدان أبو أصبع


في عدن اليوم تتجلى مفارقة سياسية وإدارية يصعب تجاهلها. ففي الوقت الذي تعيش فيه المدينة واليمن عمومًا ضغوطًا اقتصادية وخدمية وأمنية معقدة، يظهر مسؤول سعودي مثل فلاح الشهراني في المشهد الميداني بوضوح، متابعًا ملفات الخدمات والاقتصاد، ومشاركًا في جهود تهدف إلى الحد من الانهيار. حضور يومي، تحركات عملية، ومحاولات لتقديم نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، ولو بشكل نسبي.


هذا الحضور جعل اسم الرجل يتردد في الشارع العدني، بل واليمني عمومًا، بوصفه أحد الفاعلين القلائل على الأرض، خصوصًا في ظل سنوات من التراجع الخدمي والاقتصادي التي لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من احتوائها. وبغض النظر عن المواقف السياسية من الدور السعودي في اليمن، فإن ما يلفت الانتباه هو الفارق الواضح بين من يعمل ميدانيًا، رغم تعقيدات الوضع الأمني، وبين من يكتفي بإدارة المشهد عن بُعد، ثم يظهر إعلاميًا للحديث عن إنجازات يرى كثيرون أن صُنّاعها الفعليون على الأرض هم آخرون.


في المقابل، تبدو الحكومة اليمنية ومعها مجلس القيادة الرئاسي في حالة ابتعاد مستمر عن الداخل، غالبًا تحت مبررات أمنية. غير أن هذا الغياب الطويل ترافق مع حضور إعلامي أكثر منه تنفيذي، وتصريحات لا تنعكس دائمًا على حياة المواطن اليومية. هذه الفجوة بين القيادة والواقع المعيشي أصبحت أحد أبرز أسباب تآكل الثقة الشعبية في المؤسسات الرسمية.


ولا يتعلق الأمر بمجرد غياب جغرافي، بل بغياب الإحساس المباشر بثقل الأزمة. فالدولة التي تمر بظروف استثنائية تحتاج إلى قيادة حاضرة في الميدان، ترى الأزمات بعينها، وتتحمل كلفة القرار سياسيًا وشعبيًا، لا قيادة تدير الملفات من الخارج وتكتفي بالتقارير والاجتماعات الرسمية.


المفارقة الأوضح، كما يراها كثير من سكان عدن، أن بعض الجهود الميدانية الأكثر حضورًا تأتي أحيانًا من خارج الإطار الحكومي اليمني، وهو ما يثير تساؤلات حساسة حول طبيعة القرار ومستقبل مؤسسات الدولة. استمرار هذا الواقع قد يعمق الشعور بأن الفراغ الإداري والسياسي يُملأ من خارج المنظومة الوطنية بدلًا من أن تعالجه مؤسسات الدولة نفسها.

الإشادة بأي جهد يخدم المواطن ليست بالضرورة موقفًا سياسيًا، بل اعتراف بما يلمسه الناس. كما أن نقد الحكومة لا يعني خصومة بقدر ما يعكس حاجة ملحّة إلى مراجعة الأداء واستعادة ثقة الشارع. ولم يعد من السهل إقناع المواطن بأن عليه الانتظار أكثر؛ فالحكومات في اليمن تعيد إنتاج نفسها رغم الإخفاقات المتكررة، بينما يظل المواطن يبحث عن أساسيات الحياة: كهرباء مستقرة، عملة متماسكة، خدمات فاعلة، وإدارة قريبة من واقعه.


في النهاية، لا تُقاس قوة الدول بعدد بياناتها ولا باجتماعاتها الخارجية، بل بقدرتها على الحضور بين مواطنيها والعمل وسط أزماتهم. فالدول تُبنى من الداخل، والثقة تُستعاد بالفعل لا بالقول، والقيادة الحقيقية هي تلك التي تكون حيث يكون شعبها، لا حيث تكون المسافة أقصر والراحة أكبر.