دار الطبيعة البشرية بلا أقنعة بالأمس نقاش ثري بيني وبين طلابي حول الطبيعة البشرية، وحقيقة الإنسان، وجدلية السؤال الأزلي:هل يولد الإنسان خيراً بطبعه أم شريراً؟
وعند التأمل في مسيرة البشر منذ فجر التاريخ، ندرك أن الشر ليس حديثاً على الإنسان، بل جزءٌ كامن في بنيته، كما أن الخير يسكنه في الوقت ذاته، فالإنسان يولد وهو يحمل الاستعداد للنقيضين معاً، وتتشابك في داخله العوامل البايولوجية DNA الوراثية والجينات من جهة، والعوامل السايكولوجية التي تلعب دورها ايضاً من الجهة الاخرى، ثم تأتي البيئة لتشكّل ملامح شخصيته وبذوره الأولى.
غير أن هذه الطبيعة المزدوجة لا تُترك عبثاً، فهناك منظومة متكاملة من الضوابط الأخلاقية والنفسية والاجتماعية تحيط بالإنسان منذ لحظاته الأولى، تبدأ من الأسرة، حين يمنع الطفل من العبث بالنار أو حمل السكين، أو أخذ شيء لغيره دون إذن، لا خوفاً فقط، بل تأسيساً لمعنى الحدود والمسؤولية والردع، ثم يأتي دور القيم والمبادئ والدين، ليزرع في داخله ميزان الصواب والخطأ، والحق والباطل، والمباح والمحرّم، وبعد ذلك يتكفّل القانون بحماية المجتمع وردع من يتجاوز هذه الحدود.
فقد رأى أرسطو أن الانسان لا يبلغ الخير إلا بالتربية والممارسة والانضباط، وأن الفضيلة ليست فطرة مكتملة، بل مهارة مكتسبة.َ!
ومن هُنا يمكن التوصل لتحليل أن لو تُرك الإنسان بلا هذه الضوابط، لانفلتت غرائزه، وطغت نزواته، واندفع إلى أقصى درجات الفوضى والعدوان، فالتاريخ الإنساني، منذ بداياته الأولى، يثبت على أن الانسان أخطر من سكن هذا الكوكب، حيث لم تخلُ الحياة يوماً من الحروب والصراعات والقتل والظلم والفساد، وانتهاك حقوق الآخرين وقانون البقاء للأقوى الذي لا يحكم الغاب فقط بل حياتنا ايضاً مع بالغ الاسف!
فما إن يمتلك الإنسان قوة أو سلطة أو نفوذاً، حتى تستيقظ في داخله نزعات الجشع والاستغلال، فيسخّر قوته لإشباع رغباته الغرائزية، ولو على حساب الآخرين، ومثال واضح لذلك ما تم كشفه مؤخراً من الحقائق المظلمة لجزيرة إبستين، حيث استطاع الانسان تسخير المال والثروة في تحقيق كل ماهو ممنوع وخارق لكل القوانين والمبادئ والاديان، وبالطبع هذه الجزيرة لم تكن سوى نقطة وجزء بسيط من الوجه المظلم للبشرية في هذا العالم .!
وقد ذهب فرويد إلى أبعد من ذلك حين كشف عن الصراع الداخلي بين “الهو” المليء بالرغبات الغريزية، و“الأنا العليا” التي تمثل الضمير والقيم، مؤكداً أن الإنسان يعيش طوال حياته في معركة نفسية بين ما يشتهيه وما يجب عليه كبحه.!
فكثيراً ما تتحول هذه الرغبات إلى سلوكيات عشوائية، فوضوية، عبثية، منفصلة عن العقل والمنطق والضمير، وهنا يتجلّى الدور الجوهري للقيم والدين والثقافة والقانون، بوصفها الحصن الأخير الذي يمنع الإنسان من السقوط في هاوية الشر.!
فثقافتك تحميك من الانزلاق إلى السطحية، وأخلاقك ترفعك عن مواطن الانحدار، ودينك يهديك بعيداً عن الخطأ، وتربيتك تسمو بك عن خوض التفاهات، وإنسانيتك تصونك من فقدان الضمير.!
هذه الركائز ليست كماليات يمكن الاستغناء عنها، بل هي جوهر الإنسان ذاته، بدونها يتحول الإنسان إلى جسد يسير بالغرائز فقط، بلا وعي، بلا ضمير، بلا مسؤولية، كائن يسقط إلى قاع الانحطاط، فاقد للعقل، والقيم، والمبادئ، لا يختلف عن الحيوان سوى في مظهره الخارجي..!
العقل والمبادئ والفضيلة هي ما يصنع قيمة الإنسان الحقيقية، وطبعاً لا أقصد الفضيلة التي نتباهى بها أمام الآخرين في أوقات الرخاء، بل تلك الفضيلة المكنونة في أعماقنا، التي لا يراها سوى الضمير، تلك التي نختارها مقابل مُغريات ومكاسب الحياة، حين يكون الالتزام بها خسارة لمصالحنا ورغباتنا، ومع ذلك نتمسك بها.!
والسؤال هُنا.. هل سنختارها حقاً حين نُختبر؟ أم سنتغاضى عنها أمام مُغريات القوة، الغريزة، المال والسلطة ؟!