آخر تحديث :الأحد-05 أبريل 2026-06:12م

هندسة الصمت

الخميس - 12 فبراير 2026 - الساعة 06:09 م
سارة عبدالحكيم

بقلم: سارة عبدالحكيم
- ارشيف الكاتب


لا يسود الصمت لأن الناس لا تملك ما تقول.

يسود حين تتعلم أن الكلام لا يغيّر شيئًا.

الصمت ليس فراغًا.

إنه نتيجة تصميم.

حين يُعاد تعريف الجرأة باعتبارها تهورًا،

ويُعاد تعريف السؤال باعتباره تجاوزًا،

تبدأ المسافة بين الفكرة وصاحبها بالاتساع.

ومع الوقت، لا يحتاج أحد إلى منع الكلام.

يكفي أن يفقد الناس ثقتهم بجدواه.

السلطة الأكثر ذكاءً لا تُكثر من المنع.

هي تعيد ترتيب المشهد بحيث يبدو الصمت خيارًا عقلانيًا.

الخائف يُقنع نفسه بالحكمة،

والمتردد يُقنع نفسه بالتريث،

والغاضب يُقنع نفسه بأن الوقت غير مناسب.

هكذا لا يُفرض الصمت بالقوة،

بل يُهندس بالمنطق.

الأخطر أن هندسة الصمت لا تستهدف الأفراد فقط،

بل الذاكرة.

تُعاد صياغة ما حدث،

تُخفف حدته،

يُستبدل الغضب بالتعب،

والتعب بالاعتياد.

ومع كل دورة، يصبح الكلام فعلًا استثنائيًا،

والصمت سلوكًا طبيعيًا.

لكن الصمت ليس بريئًا.

إنه مساحة تُدار.

كلما اتسعت، تقلّصت القدرة على المساءلة.

وكلما بدا طبيعيًا، صار أداة استقرار.

المجتمعات لا تُقاس بقدرتها على الكلام،

بل بقدرتها على تحمّل العواقب بعده.

وما يُهندس بعناية،

لا يسقط بالصدفة.


— سارة الظهر

صوت في مساءلة الممكن