آخر تحديث :الجمعة-13 فبراير 2026-12:30ص

ظلال العرش حين تقتفي الحاشية أثر المُطعم الغائب

الخميس - 12 فبراير 2026 - الساعة 08:55 م
عيدروس المدوري

بقلم: عيدروس المدوري
- ارشيف الكاتب


في كواليس السياسة لا تُبنى الولاءات دائماً على المبادئ المجردة، بل تُنسج بخيوط من المنفعة والاحتياج. وإذا كان الكلب يقتفي أثر من يطعمه وفاءً فطرياً، فإن "الحاشية" في عالم السياسة تقتفي أثر القائد لأنها تدرك أن وجودها مغلول بوجوده، وأن رائحته هي التي تمنحها الشرعية والنفوذ وسط القطيع.


الحاشية ليست مجرد فريق عمل، بل هي كائن سياسي يعيش على فتات القوة الذي يلقيه القائد. هذا الإطعام يتخذ أشكالاً شتى: مناصب، حصانات، أو صفقات تحت الطاولة. في هذه البيئة يصبح القائد هو المركز الذي تدور حوله كل الأقمار، وتتعلم الحاشية فن شم الرغبات قبل نطقها، تماماً كما يتحسس الكلب حركة يد صاحبه وهي تقترب من وعاء الطعام.


قد يرحل القائد، يسقط، أو يغيب خلف قضبان التاريخ، لكننا نجد حاشيته لا تزال تقتفي خطاه وتدافع عن إرثه بضراوة. هذا السلوك ليس دائماً وفاءً أخلاقياً، بل هو دفاع عن الذات؛ فالاعتراف بانتهاء أثر القائد يعني بالضرورة انتهاء صلاحية الحاشية.


الحاشية التي اعتادت الاستظلال بظل القائد تخشى الرياح بمجرد زوال الظل، لذا يظلون يقتفون خطاه القديمة ويرددون شعاراته، ليس إيماناً بها، بل ليوهموا العالم (وأنفسهم) أن المصدر لا يزال حياً.


في كثير من الأحيان يكون اقتفاء أثر القائد الراحل مجرد فترة انتظار حتى يظهر وريث جديد يحمل نفس الحقيبة ويوزع نفس العطايا.


عندما تقتفي الحاشية أثر من يطعمها دون نقد أو مراجعة، فإنها تحوّل الدولة إلى عزبة، والسياسة إلى غريزة. الخطورة تكمن في أن هذا النوع من الولاء يعمي الحاشية عن رؤية المنحدر الذي قد يقودهم القائد إليه. فالكلب لا يسأل صاحبه: إلى أين نحن ذاهبون؟ هو يتبع الخطى فقط طالما أن اليد التي تطعمه لا تزال ممدودة.


التاريخ يخبرنا أيضاً بنهايات تراجيدية؛ فعندما يجف الإطعام أو ينقطع الأثر تماماً، تتحول بعض الحاشيات من اقتفاء الأثر إلى نهش الجثة. السياسة التي تقوم على المنفعة المحضة تنتهي بمجرد توقف العطاء، وهنا يظهر الفرق بين الوفاء كقيمة إنسانية، وبين الزبائنية كصفقة سياسية.


إن القائد الذي يبني شرعيته على إطعام حاشيته بالامتيازات بدلاً من إطعام شعبه بالحقوق، يخلق جيشاً من التابعين الذين يقتفون خطاه طالما كان حياً، لكنهم أول من يتوه في الصحراء بمجرد أن تمحو رمال التغيير آثار أقدامه. الوفاء الحقيقي في السياسة هو لمن يطعم العقول بالحرية، لا لمن يطعم البطون بالتبعية.