آخر تحديث :السبت-14 فبراير 2026-08:35م

مانع بن يمين... قصة مسؤول عمل في الظل ليضيء حياة الآخرين

السبت - 14 فبراير 2026 - الساعة 07:46 م
سعيد الجعفري

بقلم: سعيد الجعفري
- ارشيف الكاتب


اخْتَارَ العملَ بصمت في المهمة الصعبة، وفي الوقت الأصعب. لم يلتفت أبدًا إلى الوراء، ولم يتوقف أمام كل الحملات، سواءً كانت عفوية أو مقصودة، لأن قَصْدَهُ كان أنبلَ، وغايته أسمى. كان دائمًا يُبدي تفهمه لكل ما قيل بحق وزارته للتقليل من شأن جهودها وبحقه شخصيًا، رغم كل ما أنجزه.


كان الناس لا يرون سوى ساعات الظلام الطويلة والمعاناة الناجمة عن انقطاع التيار الكهربائي عن منازلهم، وكانوا لا يرون المحارب الحقيقي الذي يخوض المعركة الحقيقية لإعادة النور إلى حياة الناس من جديد.


يُعد المهندس مانع بن يمين، وزير الكهرباء السابق، الوجه الأبرز الغائب عن هذه الحكومة، تاركًا سجلاً حافلاً بالإنجاز. وهو الذي لطالما كان حاضرًا ولم يغب أو يتخلف عن أداء مسؤولياته. كان طوال هذا الوقت بين المواطنين، وعاش معهم ذات المعاناة لحظة بلحظة، في عدن، عاصمة اليمن المؤقتة، التي لم يغادرها مطلقًا أو يفضل العمل من مكان آخر. وخلال كل تلك الأوقات، ظل يعمل على إنجاز ما نشهده الآن من تحسّن بدعم سعودي واضح.


لم يُلقِ بمسؤولية الوضع الصعب على أحدٍ ممن سبقوه، لا من الوزراء السابقين ولا حتى الحكومات المتعاقبة، في توريث الفشل أو "التركة الثقيلة" التي وصلت إليه بعد سنوات طويلة من الإهمال الذي طال قطاع الكهرباء، وحرب دمرت كل ما تبقى من مقدرات وبنية تحتية، من خطوط نقل وشبكات محلية ومحطات توليد وتحويلية ومحولات وغيرها.


بكل شجاعة، خاض المهمة الصعبة التي لم ينجُ منها أحد في السنوات الأخيرة، حيث تضاعف الطلب على الطاقة الكهربائية أضعافًا مضاعفة عما كان عليه في السنوات السابقة، مع النمو المتسارع في المدن وتراجع مستوى إنتاج الطاقة بسبب حالة التدهور التي اعترت محطات متهالكة، لم تعد تخضع للصيانات الدورية كما كان مقررًا للإبقاء على خدماتها، في وقت انتهى فيه عمرها الافتراضي أصلًا.


ومع ذلك، لا يبدو الناس مهتمين بمعرفة الأسباب، ولا يكترثون بكل التحديات الصعبة، ولا يسعون لمعرفة حقيقة ما يُبذل من جهود من أجل الوصول إلى حلول مستدامة. هم غير معنيين بالتفاصيل، يريدون كهرباء تضيء منازلهم، وليس لديهم الوقت للانتظار أكثر حتى تتحقق هذه الأمنيات، التي بالطبع تحتاج إلى المزيد من الوقت والكثير من العمل المتواصل من أجل إنجاز المشاريع الاستراتيجية، وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، والبحث عن التمويلات اللازمة في بلد منهك بآثار وتداعيات الحرب التي قضت على الأخضر واليابس وكل مقومات الحياة المناسبة. ولولا تدخل ودعم الأشقاء في المملكة العربية السعودية ووقوفهم إلى جانب الشعب اليمني وحكومته في هذه السنوات الصعبة، لما تبقى لنا بالأساس بلد ولا دولة نطالبها بتحقيق الإنجاز.


لم تكن مشكلة الكهرباء أزمة عابرة يمكن حلها بيوم وليلة بعصا سحرية، فحتى قبل اندلاع حرب الميليشيات الحوثية التي دمرت ما تبقى، سبقت أزمة الكهرباء أزمة الحرب بسنوات، غابت فيها إنجاز المشاريع الاستراتيجية في قطاع الكهرباء (باستثناء محطة مأرب الغازية)، واستمر العمل بمحطات قديمة ومتهالكة تعود إلى فترة السبعينيات، وصولاً إلى ذروة الانفجار الكبير في أزمة الكهرباء مع سنوات الحرب، حيث باتت وزارة الكهرباء والطاقة تعمل بلا برنامج استثماري لعقد كامل من الزمن، في بلد يعيش بلا موارد حقيقية واقتصاد مدمر بفعل الحرب وتوقف تصدير النفط.


ومع كل ذلك، كان قدر الوزير مانع بن يمين صعبًا في مهمة تبدو مستحيلة، وإمكانيات وعوامل النجاح فيها معدومة، ونسبتها صفر% وفقًا لكل ما يحيط بها من ظروف وتحديات.


لقد كنت الشاهد على قصة مسؤول حكومي لا يتحدث إلى القنوات الفضائية ولا يجري المقابلات الصحفية، ويعمل بصمت في خدمة بلد منهك. لم يكن يهتم مطلقًا للإعلام، ولا يدفع المال لمواجهة سيل من الحملات المغرضة التي تحمّله مسؤولية كل حالة التدهور التي ورثها، في وقت كان هو يمثل رجل الحل، وقد جيء به منقذًا، فاختار العمل بصمت.


حتى حين كنت أضعه أمام بعض الكتابات والتناولات الإعلامية المسيئة التي تحاول استغلال الوضع وتحميله المسؤولية (عن قصد أو نتيجة الجهل بالحقائق)، لم يُبدِ أي انفعال أو يُظهر حالة استياء مما يمكن اعتباره ظلمًا كبيرًا بحقه. بل على العكس، كان يُبدي تفهمه، وكان مهتمًا أكثر بمعاناة الناس الذين يعيشون الأزمة ويتحدثون عنها، انطلاقًا من كونه مواطنًا يمنيًا يعيش في قلب المعاناة، ومن منطلق ما يقع على عاتقه من مسؤولية في تقديم الحلول. كان منهمكًا أكثر في متابعة توفير الوقود لمحطات التوليد في حكومة عاجزة عن سداد القيمة، وهي جهود ضمن ما اعتبرها "حلولًا إسعافية"، بينما كان ما يشغله أكثر هو المضي في مسارات واضحة للنهوض بواقع الكهرباء نحو الأفضل، باعتبار أن ما يحتاجه القطاع هو الحلول المستدامة التي تقلل الكلفة في الإنتاج وترفع الكفاءة في التشغيل. كان مدركًا أن مشكلات الكهرباء الكبيرة تحتاج إلى العمل المتواصل والمستمر والوقت الكافي من أجل إنجاز المشاريع الاستراتيجية عبر إنشاء محطات توليد ومصادر جديدة، والتي معها سوف يلمس الناس النتائج المباشرة. وكان ذلك هو كل همه في مهمة صعبة جدًا، أخذ على عاتقه إنجازها في تحدٍّ قَبِلَ به بكل شجاعة.


ومثلما يعود الفضل الكبير للمملكة العربية السعودية في كل هذا التحسن الكبير لخدمة الكهرباء التي صارت تضيء مدننا وشوارعنا وتملأ حياتنا بالفرحة والبهجة، فإنه يُحسب للوزير مانع بن يمين العمل من أجل النهوض بواقع الكهرباء، ومواصلة المباحثات ممثلاً للحكومة اليمنية مع الأشقاء في المملكة من خلال رؤية ومسار واضح وإصلاحات وفّت بمعايير النزاهة التي يشترطها الأشقاء للدخول في شراكة حقيقية معنا في قطاع الكهرباء. وكما يُحسب للرئيس هادي إنجاز محطة "الرئيس" باعتبارها أهم مشروع نُفذ في قطاع الكهرباء بعد مشروع محطة مأرب الغازية، يُحسب للوزير مانع بن يمين متابعة وتسريع دخول هذا المشروع إلى الخدمة.


أما بالنسبة للمهتمين بقطاع الكهرباء، فكنا قبل تولي مانع بن يمين ندرك الكثير من مشكلات الكهرباء الكبيرة، ونقرّ بصعوبة المهمة. وكنت ممن تابع معه الكثير من مسارات الحل خطوة بخطوة، من خلال جهود وزير لم يكن يتحدث كثيرًا لكنه كان يعمل بشكل متواصل دون توقف. لقد كان أول من وضع يده على مشكلة الكلفة الكبيرة في إنتاج الطاقة الكهربائية التي يجب أن تتوقف، وأخذ على عاتقه مهمة العمل على تقليل كلفة الإنتاج من خلال الاتجاه نحو اعتماد المصادر ذات الكلفة الأقل. وبدأ العمل وفق مسارات واضحة وخطة إنقاذ دقيقة وتفصيلية تشمل كل ما يجب اتخاذه لإيجاد الحلول المستدامة في قطاع الطاقة، وقدم خارطة طريق واضحة للنهوض به.


في سباق مع الزمن، أنجز في وقت قصير الكثير من محطات التوليد التي تعمل بالطاقة الشمسية في عدن وشبوة، ويجري العمل في محطات توليد تعمل بالغاز في حضرموت وشبوة، ومحطة توليد بالمازوت في مدينة تعز، كما يجري العمل في مشاريع كهرباء أخرى في أبين والمهرة وباقي المحافظات المحررة.


يغادر الوزارة اليوم بسجل حافل بالإنجازات، بعد أن خلّد اسمه في صفحات ناصعة، بالتوقيع بخط يده على اتفاقيات مشاريع مهمة وحيوية في قطاع الكهرباء بدعم من الأشقاء في المملكة العربية السعودية. وضع الكثير من الدراسات لمشاريع أخرى على طاولة البحث، جاهزة للتنفيذ أمام البنك الدولي والكثير من الجهات المانحة. عمل على تنظيم مؤتمر دولي للطاقة جمع كل المانحين والمهتمين للوقوف على احتياجات اليمن من الكهرباء، مقدمًا الدراسات العلمية والعملية حول الحلول والاحتياجات من المشاريع، مُنجزًا معهم شراكة حقيقية للنهوض بالقطاع. كتب خلال سنوات قليلة قصة ملهمة لقيمة النجاح في وقع صعب وتحديات أصعب، مواجهًا حالة من النكران والجهل بحقيقة ما قدمه. لكن الحقائق لا تموت، وستشرق حتمًا، وستظل توقيعاته على اتفاقيات مهمة تشمل تنفيذ وإنجاز مشاريع، واحدة من أهم الدلائل التي تقود لعظمة رجل ظلمناه كثيرًا لأنه اختار أن يكون الله شاهدًا ورقيبًا على كل أعماله. "فما عند الله باقٍ ولا يضيع"، هكذا كان يردد بيقين ثابت.