آخر تحديث :الأحد-22 فبراير 2026-02:46ص

حرب تحت التراب… ومشروع مسام السعودي يقود معركة الأمان في اليمن

الأحد - 15 فبراير 2026 - الساعة 11:08 ص
عبدالكريم صلاح

بقلم: عبدالكريم صلاح
- ارشيف الكاتب


في اليمن لا تنتهي الحرب بتوقف إطلاق النار.

فحتى بعد صمت المدافع، تبقى الأرض نفسها ساحة قتال.

ملايين الألغام والذخائر غير المنفجرة التي بثتها المليشيات الحوثية في القرى والطرقات والحقول الزراعية حولت مساحات واسعة من اليمن إلى كمائن مؤجلة، تترصد بالمدنيين في تفاصيل حياتهم اليومية. كثير من هذه الألغام تم تهريبه بدعم إيراني، فيما جرى تصنيع بعضها وتطويره في اليمن بخبرات مرتبطة بطهران، لتغدو وسيلة ضغط قسرية لا علاقة لها بحماية مواقع عسكرية، بل أداة ترهيب منظم لتعطيل سبل العيش ومنع الأهالي من العودة إلى منازلهم وأراضيهم.

إنها مواجهة صامتة تستهدف مصادر الرزق قبل خطوط التماس، وتطال الأطفال والرعاة والمزارعين، فتجعل من الأرض التي كانت رمز الأمان مصدر تهديد دائم، في خرق واضح لمبادئ القانون الدولي الإنساني. وحتى الآن لم تقدم خرائط دقيقة تحدد مواقع تلك الحقول ولم تثبت علامات تحذيرية تقلل من المخاطر، لتبقى التربة نفسها غطاءً لخطر كامن قد ينفجر في أية لحظة.

هذا الواقع يضاعف من جسامة المهمة أمام فرق مشروع مسام السعودي التي تعمل في بيئة ملوثة بلا بيانات إرشادية كافية معتمدة على المسح الميداني الدقيق وأجهزة الكشف اليدوية، بينما يظل احتمال الانفجار حاضرا مع كل خطوة يخطونها.


*أرقام تكشف حجم المأساة*

حتى 6 فبراير 2026، أعلن مشروع مسام لنزع الألغام في اليمن أنه تمكن من تطهير 77,525,573 مترًا مربعًا من الأراضي.

كما نزع:

• 375,113 ذخيرة غير منفجرة

• 8,362 عبوة ناسفة

• 150,137 لغمًا مضادًا للدبابات

• 7,059 ألغام مضادة للأفراد

هذه الأرقام، رغم ضخامتها، لا تعكس سوى جزء من المشكلة.

تقارير ميدانية عديدة من مصادر عسكرية وإنسانية في اليمن تؤكد أن حجم الألغام المزروعة التي زرعتها المليشيات الحوثية الإرهابية في الأراضي اليمنية يفوق بكثير ما تم نزعه حتى الآن ، ما يجعل اليمن إحدى أكثر الدول تلوثا بالألغام في النزاعات الحديثة.


*نمط زرع يكشف الهدف*

التحقيق في الانتشار يوضح أن الألغام لم تُزرع فقط في خطوط المواجهات العسكرية، بل في:

•محيط منازل

• طرق فرعية تربط قرى نائية

• مزارع ومراعٍ

• محيط مدارس ومراكز صحية

هذا النمط يشير إلى استخدام الألغام كأداة تعطيل اجتماعي واقتصادي وليس كسلاح تكتيكي فحسب.

الألغام المضادة للأفراد و المحظورة دوليا استهدفت البيئة المدنية بشكل مباشر، فيما تحولت الألغام المضادة للدبابات إلى مصائد للسيارات المدنية بسبب زرعها العشوائي.


*كلفة بشرية صامتة*

فرق مشروع مسام تعمل في بيئة بالغة التعقيد.

ألغام مموهة عبوات معدلة محليا أجهزة تفجير غير تقليدية.

كل خطوة قد تكون الأخيرة.

مصادر داخل الفرق تؤكد أن عمليات التفكيك تتطلب أحيانا ساعات من العمل الحذر لإزالة لغم واحد، خصوصا في المناطق التي شهدت إعادة زرع أو تمويهًا متعمدا.

ورغم المخاطر، تستمر العمليات بوتيرة متصاعدة.

كل متر يطهر يعني عودة أسرة، وكل طريق يُفتح يعني شريان حياة جديد.


*ما الذي غيره مشروع مسام فعليًا؟*

• إعادة آلاف الهكتارات الزراعية إلى الإنتاج

• تأمين طرق إمداد إنسانية

• تمكين عودة نازحين

• حماية مدارس ومرافق صحية

لكن الأثر الأعمق هو نفسي:

استعادة الثقة في الأرض.

وفي تصريح يحمل دلالات إنسانية وأمنية بالغة كشف مدير عام مشروع ‎مسام الأستاذ أسامة القصيبي للمنبر اليمني للدارسات والإعلام أن فرق المشروع انتزعت أكثر من نصف مليون لغم وعبوة ناسفة وذخيرة غير منفجرة في ‎اليمن، مؤكدا أن كل لغم يزال يعني حياة محتملة أنقذت، وكل متر يطهر يفتح باب الأمل أمام عودة آمنة للمدنيين.



*دعم سعودي… بعد استراتيجي يتجاوز الإغاثة*

التمويل الكامل للمشروع يأتي من المملكة العربية السعودية، التي تبنّت مشروع مسام منذ 2018 كمبادرة إنسانية متخصصة.

الدعم السعودي لم يقتصر على التمويل، بل شمل:

• إشراف مهني مباشر

• استقدام خبرات دولية

• توفير تقنيات كشف حديثة

ويعكس ذلك توجها استراتيجيا نحو إزالة العوائق التي تعرقل الاستقرار والتنمية في اليمن، انطلاقا من رؤية إنسانية تبنّتها القيادة السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله.


*الطريق لا يزال طويلًا*

رغم ما تحقق، فإن التحدي مستمر.

اليمن لا يزال من أكثر دول العالم تلوثا بالألغام.

المعركة اليوم ليست عسكرية… بل إنسانية.

لأن الحرب في اليمن لا تُقاس بعدد الجبهات… بل بعدد الخطوات الآمنة التي يستطيع طفل أن يخطوها دون خوف.


*الخلاصة: سباق مع الزمن*

في اليمن، هناك سباق غير معلن بين فرق مشروع مسام لنزع الألغام وبين احتمال سقوط ضحية جديدة.

كل يوم تأخير يعني خطراً قائماً. وكل لغم يزال يعني حياة محتملة أنقذت.

مشروع مسام يمثل اليوم أحد أبرز الجهود الميدانية لتفكيك أخطر إرث للحرب.

لكن حجم المهمة يشير بوضوح إلى أن الطريق ما زال طويلاً.

فالحرب قد تتوقف بتوقيع سياسي…

لكن إزالة آثارها تبدأ من تحت الأقدام.


*خاتمة*

يظل مشروع مسام في طليعة المبادرات الإنسانية الفاعلة في اليمن وأكثرها أثرا ميدانيا، إذ يتقدم الصفوف في مواجهة إرث حربيً بالغ الخطورة خلفته ممارسات الحوثيين ، ويقدم نموذجا شامخا للعمل الإنساني متعدد الأبعاد.

وفي وقت لا يزال فيه النزاع يلقي بظلاله الثقيلة على اليمنيين.

مشروع مسام رسالة أمل في زمنٍ تكاثرت فيه المخاطر، وعنوانا للعمل الذي ينقذ الأرواح اليمنية ويحرر الأرض من كمائن الموت التي زرعها الحوثيون .