آخر تحديث :الإثنين-16 فبراير 2026-01:20ص

الجنوب… ساحة نزاع لا شريك سياسي (قبل البحث عن اعتراف الخارج)

الأحد - 15 فبراير 2026 - الساعة 02:22 م
احمد سالم فضل

بقلم: احمد سالم فضل
- ارشيف الكاتب


إن الأحداث التي تعاقبت على الجنوب، منذ ادعاءات ثورات القرن الماضي وحتى اللحظة الراهنة، تكشف بوضوح أن هذه الرقعة الجغرافية لم تُمنح يومًا شراكة سياسية حقيقية، ولم تمارس سيادتها كاملة بعيدًا عن هيمنة الصراعات الإقليمية والدولية.

لقد رُوِّج لخطاب “الاستقلال” بوصفه منجزًا تاريخيًا مكتملًا، بينما ظل الواقع يعكس هشاشة البنية السيادية، وارتهان القرار، وتكرار دور الجنوب كساحة لتصفية الحسابات، لا كفاعل سياسي مستقل. إن الادعاء بأن الجنوب نال استقلاله الكامل يتجاهل السياق المركّب الذي أعقب خروج الاستعمار، ويتغافل عن المآسي البنيوية التي استمرت بأشكال مختلفة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

الجنوب لم يكن شريكًا في صناعة القرار بقدر ما كان موضوعًا له. ولم يُعامل ككيان سياسي مكتمل الإرادة، بل كمجال نفوذ تتنازعه المشاريع، وتُدار فيه المعارك بالوكالة أكثر مما تُصنع فيه القرارات بإرادة وطنية خالصة.

ولم تكن المأساة نتاج صراعات الخارج وحدها، بل تعمّقت بفعل انقسامات الداخل. فقد انخرط أبناء الجنوب أنفسهم في صراعات متكررة، حملت شعارات متباينة، لكنها في المحصلة استنزفت الإنسان والأرض والمؤسسات. الجميع قدّم نفسه منتصرًا في لحظة ما، لكن التاريخ أثبت أن الجميع كانوا ضحايا؛ ضحايا صراعات السلطة، وضحايا حسابات لم تُحسن تقدير المآلات.

إن التجربة الأخيرة تمثل نموذجًا صارخًا على هشاشة البناء السياسي حين يقوم على التعبئة أكثر من قيامه على التوافق. فما حدث من تراجع وسقوط مدوٍ لمشروع المجلس الانتقالي الجنوبي خلال ساعات، كشف أن المشروعية التي لا تستند إلى عقد وطني جامع يمكن أن تتهاوى سريعًا أمام أول اختبار حقيقي. لم يكن ذلك السقوط حدثًا معزولًا، بل نتيجة تراكمات من الإقصاء، وسوء إدارة التعدد، وغياب الشراكة الفعلية بين المكونات.

وهكذا يتأكد أن الجنوب ظل ساحة صراع حتى في لحظات ادعاء التمثيل الأحادي. لا منتصر في معادلة تستبعد الآخر، ولا استقرار في مشروع لا يحتمل الاختلاف.

إن إعادة قراءة التجربة بموضوعية وشجاعة تفرض علينا الانتقال من عقلية المغالبة إلى منطق الشراكة، ومن خطاب الاحتكار إلى عقد سياسي جامع يعترف بالتعدد، ويؤسس لتمثيل حقيقي، ويعيد الاعتبار للقرار الجنوبي كقرار نابع من إرادة جماعية لا من موازين قوة مؤقتة.

فالجنوب لن يتحول من ساحة نزاع إلى شريك سياسي إلا حين يُبنى مشروعه على قاعدة الاعتراف المتبادل، والمصالحة الصادقة، وإدارة الخلاف داخل البيت الجنوبي قبل البحث عن اعتراف الخارج.