آخر تحديث :الإثنين-16 فبراير 2026-01:20ص

المملكة العربية السعودية… الوفاء الذي لا يسقط بالتقادم

الأحد - 15 فبراير 2026 - الساعة 09:36 م
حسين علي باهميل

بقلم: حسين علي باهميل
- ارشيف الكاتب


بقلم: حسين علي باهميل


ليست العلاقة بين اليمن والمملكة العربية السعودية علاقة جوارٍ جغرافي فحسب، بل علاقة امتدت جذورها في الوجدان الإنساني والاجتماعي قبل أن تُكتب في السياسة والاتفاقيات. فالمملكة، بالنسبة لملايين اليمنيين، لم تكن مجرد بلد عمل أو إقامة، بل كانت عبر عقود طويلة ملاذًا بعد الله، وفضاءً للحياة الكريمة حين ضاقت الأرض بأهلها.


على مدى خمسة عقود من عمري التي قضيتها في المملكة، منذ عهد الملك خالد، مرورًا بالملك فهد، ثم الملك عبدالله رحمهم الله جميعًا، وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، حفظه الله، لمست عن قرب كيف كانت اليمن حاضرة في خطاب القيادة السعودية باعتبارها البلد الثاني، وكيف ظل اليمنيون موضع تقدير واحترام في مجتمع المملكة ومؤسساتها.


ولم يكن ذلك مجرد كلامٍ دبلوماسي، بل مواقف عملية شهدها التاريخ القريب. فعندما طلب الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي النجدة لإنقاذ اليمن من الانهيار، تحركت المملكة انطلاقًا من مسؤوليتها العربية والإسلامية، ومن إدراكها أن أمن اليمن من أمنها، وأن سقوطه يعني تهديد المنطقة بأكملها. كان ذلك موقفًا سيبقى في ذاكرة الأجيال، مهما اختلفت القراءات السياسية.


والحقيقة التي يعرفها كثير من أبناء اليمن، خصوصًا أبناء الجنوب، أن المملكة احتضنتهم في أصعب المراحل. فحين كانت الأنظمة الشمولية تصنف المخالفين عملاء، وتضيق على الناس في أرزاقهم وأفكارهم، وجد اليمنيون في السعودية الأمن والعمل والكرامة، بل إن بعضهم مُنح امتيازات لم تكن متاحة لهم في أوطانهم، في وقت كانت فيه الشعارات ترفع باسم الناس بينما الواقع يضيق عليهم.


لهذا فإن السؤال اليوم ليس: ماذا قدمت المملكة لليمنيين؟ بل: كيف يرد اليمنيون هذا الجميل؟

والجواب ليس في الشعارات ولا في المزايدات السياسية، بل في الوفاء الصادق، وفي فهم طبيعة المرحلة. الوفاء يعني أن يدرك اليمنيون أن استقرار المملكة واستقرار اليمن مساران متصلان، وأن الاصطفاف مع من وقف معك في الشدة ليس تبعية، بل قراءة واقعية للتاريخ والجغرافيا والمصلحة المشتركة.


لقد جرب اليمنيون خلال ستة عقود مختلف التيارات والتنظيمات والشعارات، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وكانت النتيجة أن كثيرًا منها بقي خارج سرب المجتمع والجغرافيا، يصارع الواقع بدل أن يفهمه. أما اليوم، فالحكمة تقتضي مراجعة التجربة كاملة، والعودة إلى منطق الدولة والمصلحة، بعيدًا عن الأوهام الأيديولوجية التي أنهكت اليمن وأهله.


لذلك، فإن على الجنوبيين أن يدركوا أن دعوة المملكة للحوار ليست مجرد مبادرة سياسية عابرة، بل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب البيت الجنوبي، وفرصة لمراجعة الذات قبل مراجعة الآخرين. إنها دعوة للخروج من ضيق الاصطفافات إلى سعة المسؤولية، ومن أسر الشعارات إلى فهم تعقيدات المرحلة وحساسيتها.


لقد جُرّبت الشعارات طوال ستة عقود، واختُبرت الصراعات، ودفع الجنوب أثمانًا باهظة من استقراره ووحدته ونسيجه الاجتماعي. واليوم لم يعد التمترس خلف المواقف المتصلبة شجاعة، بل إن الشجاعة الحقيقية تكمن في القدرة على التنازل من أجل المصلحة العامة، وفي إدراك أن اللحظات التاريخية لا تتكرر كثيرًا.


إن المرحلة تتطلب عقلًا باردًا، ومسؤولية وطنية، وجرأة في اتخاذ القرار، بعيدًا عن حسابات المكاسب الضيقة. فدعوة الحوار المطروحة اليوم قد تكون الفرصة الأخيرة لبناء رؤية جنوبية جامعة، تحمي الجنوب من الانقسام وتفتح له أبواب المستقبل. ومن الحكمة أن تُستثمر هذه الفرصة قبل أن تصبح مجرد محطة أخرى نندم على ضياعها.


إن الوفاء للمملكة وقيادتها ليس موقفًا سياسيًا عابرًا، بل موقف أخلاقي وتاريخي، يعبّر عن شعب يعرف من وقف معه حين ضاقت السبل، ويدرك أن المستقبل لا يُبنى بالقطيعة، بل بالشراكة الصادقة، وبالوعي بأن اللحظات الفاصلة في تاريخ الشعوب لا تنتظر المترددين.