آخر تحديث :الإثنين-16 فبراير 2026-11:41م

مـن يحـرس قـوتَ المواطـن؟

الإثنين - 16 فبراير 2026 - الساعة 10:17 م
د.هاني القاسمي

بقلم: د.هاني القاسمي
- ارشيف الكاتب


.


ليـس أشدَّ قسوةً على الإنسان من أن

يشعر بأن لقمة عيشه أصبحت رهينةً لاضطراب لا يملك حياله دفعًا، ولا يجد له تفسيرًا، ولا يرى له نهاية.


فـ القـوت ليس تفصيلًا اقتصاديًّا عابرًا، بل هو أساس الاستقرار الاجتماعي، وعمود الكرامة الإنسانية،

والمعيار الحقيقي لنجاح أي مرحلة تُوصف بالتعافي.


لـقد مـضى نصف عامٍ على الحديث المتكرر عن تحسّن الأوضاع، وتداول الناس مصطلحاتٍ من قبيل التعافي والانفراج واستعادة النشاط الاقتصادي، غير أنّ الأسواق ظلّت تروي حكايةً أخرى؛ حكاية لا تُقرأ في البيانات، بل تُلمس في فواتير الغذاء، وتُقاس بقدرة الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية.


فـ الأسـعار ما تزال حيث كانت، بل إنّ ما يُعلن أحيانًا عن انخفاضها لا يتجاوز كونه حركاتٍ شكلية، سرعان ما تتلاشى، حتى غدا ذلك الانخفاض أقرب إلى محاولة تهدئةٍ نفسيةٍ للناس، لا معالجةٍ حقيقيةٍ لاختلال السوق.


إنّ التـعافي الاقتصادي لا يُقاس بما يُكتَب في التقارير، بل بما يشعر به المواطن حين يقف أمام بائع الحبوب أو الخضار أو ال

دواء.


فـ إذا ظـلّ دخله ثابتًا، وأسعار حاجاته الأساسية متصاعدة، فإنّ الحديث عن التعافي يصبح مجرّد خطابٍ لا يلامس الواقع، بل قد يتحوّل إلى عبءٍ نفسي يُفاقم شعور الناس بالتجاهل.


*السـؤال الجوهـري الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا ترتفع الأسـعار؟*

*بل: من يحـرس قوت المواطـن؟*


فـ السـوق، بطبيعته، لا ينضبط وحده في البيئات الهشّة، والتاجر ليس مسؤولًا منفردًا عن تحقيق التوازن، كما أنّ المستهلك هو الحلقة الأضعف التي لا تملك أدوات الحماية.


ومـن هـنا، تنشأ الحاجة إلى دورٍ رقابيٍّ عادل، لا يتدخّل لقمع النشاط الاقتصادي، بل لضمان ألا يتحوّل هذا النشاط إلى فوضى تُرهق المجتمع وتُفقده أبسط حقوقه، حـراسة القـوت ليست شعارًا أخلاقيًّا، بل وظيفة سيادية تتصل بالأمن المجتمعي.


فـ الأمـن الغـذائي ليس أقل شأنًا من الأمـن الـعام؛ إذ لا يمكن لمجتمعٍ أن يشعر بالطمأنينة وموائدُه مهددة، ولا يمكن لأي مشروع بناءٍ أن ينجح إذا كان المواطن منشغلًا يوميًّا بمعركة البقاء.


إنّ الناس لا يـطلب

ون معجزات، بل يطلبون وضوحًا في السياسات، وعدالةً في الرقابة، وصدقًا في توصيف الواقع، وإجراءاتٍ تُشعرهم بأنّ هناك من يحمي توازن السوق كما يحمي استقرار الوطن.


فـ الـدولة القوية لا تُعرف بوفرة قراراتها، بل بقدرتها على صون حياة الناس من الاستنزاف الصامت.


وحـين يُترك المواطـن وحيدًا أمام تقلب الأسعار، فإنّ ذلك لا يُضعف قدرته الشرائية فحسب، بل يُضعف ثقته في فكرة التعافي ذاتها؛ أمـا حـين يشعر بأنّ قوته مصان، وأنّ هناك عينًا ساهرةً على أمنه الغذائي، فذلك هو التعافي الحقيقي الذي لا يحتاج إلى إعلان.


فـ التاريـخ يعلّمنا أن الأوطان تُبنى حين تُحمى لقمة العيش قبل كل شيء، وأنّ السـؤال الذي يجب أن يُجاب عنه اليوم، بعملٍ لا بقول، هـو:

*"مـن يقـف حـارسًا على قوت المواطن، حتى لا تتحوّل الحياة إلى عبءٍ يوميٍّ لا يُحتمل؟"*



د. هـاني بن محمد القاسمي

عـدن: 16. فبراير. 2026م

.