آخر تحديث :الأحد-22 فبراير 2026-01:18ص

النفوذ العابر والإرادة الباقية

السبت - 21 فبراير 2026 - الساعة 09:53 م
علي بلعيد

بقلم: علي بلعيد
- ارشيف الكاتب


عبر التاريخ الحديث، تكررت حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: لا قوة خارجية، مهما بلغت سطوتها، تستطيع أن تُخضع شعباً رافضاً للهيمنة إلى الأبد.

قد تنجح الجيوش في إسقاط أنظمة خلال أسابيع، وقد تفرض الطائرات والدبابات واقعاً بالقوة لسنوات، لكن إرادة الشعوب حين تستيقظ تتحول إلى إعصار لا تصمد أمامه أعظم الإمبراطوريات.


القوى العظمى التي دخلت أراضي الآخرين بترساناتها الحديثة، خرجت في نهاية المطاف مثقلة بالخسائر، مادياً ومعنوياً.

فالتاريخ لا يُكتب فقط بالقوة، بل بالصمود أيضاً.


العراق: ثماني سنوات من الهيمنة… ونهاية بلا نصر

عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003 تحت شعار “الصدمة والترويع”، سقط نظام صدام حسين خلال أسابيع، وأُقيمت القواعد العسكرية، وفُرض نفوذ جديد على الأرض.


بدا المشهد حينها وكأن القوة العسكرية حسمت كل شيء.

لكن كم دام ذلك التفوق؟


ثماني سنوات حتى الانسحاب الرسمي نهاية عام 2011 (مع بقاء محدود لاحقاً لأسباب أمنية).

ثماني سنوات فقط تحولت خلالها البلاد إلى ساحة اضطراب وصراع ومقاومة.


خرجت القوة الأعظم من العراق دون أن تحقق الاستقرار الذي وعدت به، تاركة خلفها واقعاً معقداً لم تُنهه سنوات الاحتلال.


أفغانستان: أطول حرب… وأقسى انسحاب

في أكتوبر 2001 بدأت الحرب في أفغانستان عقب أحداث 11 سبتمبر.

استمرت الحرب عشرين عاماً كاملة — أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة.

أنفقت خلالها تريليونات الدولارات، ودُرِّبت قوات محلية، وأُعيد تشكيل مؤسسات الدولة.

لكن في أغسطس 2021، ومع الانسحاب الأمريكي، عادت حركة طالبان لتسيطر على كابول خلال أيام.


مشاهد الإجلاء من مطار العاصمة كانت صادمة للعالم بأسره، واختزلت عشرين عاماً من الحرب في لحظة انسحاب مرتبكة.

القوة العسكرية الضخمة لم تستطع أن تنتصر على معادلة بسيطة: شعب يرفض الاحتلال، وزمن يعمل لصالحه.

النمط ذاته يتكرر

من فيتنام إلى الجزائر، ومن الهند إلى جنوب أفريقيا وأيرلندا، تؤكد التجارب أن الاحتلال قد يطول، لكنه لا يدوم.


الشعوب قد تتألم، لكنها لا تنكسر بسهولة، بل غالباً ما تزداد تماسكاً كلما اشتد الضغط عليها.

التاريخ يثبت أن القصف لا يُخضع الإرادات، بل قد يؤججها.

وأن التدخلات الخارجية — مهما رُوّج لها باعتبارها “دعماً” — تبقى رهينة قبول الناس بها.

فإذا فُرضت بالقوة، تحولت إلى عبء على أصحابها قبل خصومهم.


رسالة إلى الحاضر

إن الرهان على قوة خارجية لفرض واقع دائم هو رهان قصير النظر.

قد تمنح الطائرات تفوقاً مؤقتاً، وقد تصنع التحالفات نفوذاً سريعاً، لكن الشرعية الحقيقية لا تُستورد، ولا تُفرض بالقصف، ولا تُشترى بالدعم السياسي.

التاريخ لا يرحم من يخطئ قراءة دروسه.

الموازين تتغير، والتحالفات تتبدل، لكن إرادة الشعوب حين تتجذر في أرضها تبقى العامل الأكثر ثباتاً في معادلة الصراع.


الحق قد يتأخر، لكنه لا يضيع.

والنصر — في نهاية المطاف — ليس لمن يملك السماء، بل لمن يثبت على الأرض، ويصبر، ويتمسك بحقه حتى آخر الطريق.