آخر تحديث :الجمعة-17 أبريل 2026-06:49م

حقبة من الزمن

الأحد - 22 فبراير 2026 - الساعة 01:24 ص
محمد ناصر العاقل

بقلم: محمد ناصر العاقل
- ارشيف الكاتب


من ذكريات رمضان في قرية سمعان مسكن العاقل علي بن حيدرة التي كان يسكنها هو وأولاده الأربعة حسن وناصر الأكبر سنا وقد كونوا بيوتا مستقلة بينما فضل وحيدرة الأصغر منهم سنا يسكنون مع والدهم ومن أبناء عمومتهم صالح بن علي بن أحمد

كان والدنا الفاضل - رحمه الله - مع مكانته الاجتماعية كونه عاقل قبيلة أهل حنش وقبائل آل بليل في زمانه كان في أهل بيته يرعى الشعائر الدينية ويتولى القيام بها فمن ذلك أنه كان له مصلى في قريته بني من الحجر الأسود يصل ارتفاعه إلى متر على وجه التقريب وصفت فيه أحجار من الحجر الأبيض ملساء توضع في قاع المصلى وترص إلى بعضها وتسوى بها أرضية المصلى تقام فيه معظم الصلوات وفي بعض الأوقات قد لا يصلي فيه أحد نظرا لقلة الساكنين وانشغالهم فيصلون حيثما أدركتهم الصلاة

كان العاقل رحمه الله هو من يؤذن ويأتم في مصلاه بمن يصلي معه من القرية وقد وضع إلى جانب المصلى من الجهة الشرقية وهي جهة الباب كوم من الحجر الأسود يستر منتصف القامة على شكل قوس يسمونه "محجى" وفي داخله أحجار وضعت للجلوس عليها في هذا المكان يجلس العاقل - رحمه الله- قبل أذان المغرب في رمضان ويجتمع معه بعض أبنائه وأبناؤهم وعمنا صالح رحمه الله ورحم الله من توفي منهم ينتظرون في هذا المكان الذي يحتمون به من الرياح ويتفيئون ظلاله عند ميل الشمس إلى الغروب فيأتي العاقل من بيته حاملا وضوءه ويتولى أبناؤه جمع ما تيسر من فطور وهو الماء المبرد في القرب أو غيرها من الأوعية والقهوة وشيء من التمر والخبز ويمتاز عمي صالح بنوع من الطعام وهو "المخلم" أو الرهي التي تصنع من حب السنيسلة بعد طحنه على آلة معروفة من الأحجار تسمى "المرهاة" ثم يعجن بعد تبليله بالماء ويترك حتى اليوم الثاني فيكون قد تخمر فيطبخ في التنور على شكل أقراص مدورة ويقوم عمي صالح بتقطيع القرص ثم توزيعه على الحاضرين جميعهم بالإضافة إلى المداعة التي يمتلكها وهي المعروفة آلة يجر بها دخان التبغ بعد احتراقه

يجلسون بانتظار الأذان وقد أحضروا إذاعة قاموا بتشغيلها على محطة إذاعة عدن حيث يسبق الأذان قراءة قرآن كريم لأحد المقرئين المشهورين " عبد الباسط أو المنشاوي... " فإذا أذن من الإذاعة انتظروا حتى ينتهي الأذان ثم يقوم العاقل فيؤذن لهم فإذا أذن أفطروا وتنتظر القرية كلها سماع أذانه ليفطروا في عرف خاص يرون به أنه آكد لصيامهم فإذا أتموا فطورهم قاموا لصلاة المغرب فصلوها بإمامة والدهم رحمه الله وبعدها لا يلوي أحد على أحد فيعودون لتناول فطورهم ويستمع الناس عبر الإذعات إلى مسلسلات إذاعية يغلب عليها الترفيه فإذا جاء وقت صلاة العشاء صلوها بجمع أقل من المغرب وباهتمام أقل إلا والدنا الفاضل وبعض أبنائه وليس في هذا ما ينكره الناس فإهمال شعائر الدين طابع على حياة الناس بحكم النظام السائد وبين الشباب أكثر منه في كبار السن

ثم بعد صلاة العشاء يعودون للعشاء وما يتيسر من الشراب كالقهوة والشاي ثم يذهبون في الغالب إلى السمر في بيت والدهم العاقل وهناك يتداولون الحديث في مرح وسعادة مع ما قد يتخلل هذه الأسمار من الاستماع إلى بعض الإذاعات كإذاعة لندن أو المملكة العربية السعودية ومسلسل "أم حديجان في ليالي رمضان " أو إذاعة القرآن الكربم وبرنامج الفتاوى الشهير "نور على الدرب"

وبعد قضاء حاجتهم من السمر يعودون إلى منازلهم ليناموا يشغلهم القيام للسحور الذي كانوا يقدمونه ما بين الساعة الثانية إلى الثالثة ليلا كانوا يخمنون الوقت من خلال سير النجوم نظرا لقلة وجود الساعات اليدوية أو الحائطية فيراقبون الليل بالنظر في السماء ومغيب بعض الكواكب أوطلوع بعضها معهم من وسائل الإضاءة الفوانيس والمصابيح اليدوية "التريكات" تضيئ لهم مطابخهم ويذهبون بها إلى زرايب الغنم "الأحواش" إذا أرادوا أن يحلبوا الماشية لا تنتهي النساء من عملية تجهيز طعام السحور إلا بعد جهد تنتقل فيه المرأة من البيت إلى المطبخ إلى زريبة الغنم حاملة معها سراجها وأوعيتها فيتناولون السحور ولا يزال بينهم وبين الفجر ساعة أو أكثر ينام الناس فيها إلى الصباح ولا يزال يشغل الرجال عمل النهار في الأرض والماشية ويشغل النساء الماء والحطب يخشون أن يغلبهم النوم عن التبكير فيلفحهم حر النهار فيصيبهم الظمأ وليس كلهم ينجو من حرارة الشمس وظمإ النهار بل بعضهم لا يعود إلا عند الظهيرة فيقاسي من شدة الظمإ حتى يفطر عند الغروب

هذه الحقبة هي ما بين العام١٩٨٠ - ١٩٨٦م وكانت فترة زاهية متميزة في تاريخ الجنوب بما عرف "بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية " كنت شاهدا على هذه الحقبة وقد بلغت عام ١٩٨٠ الخامسة من عمري وكانت وفاة والدنا علي بن حيدرة في أكتوبر ١٩٨٦ م رحمه الله ومن لحق به من أهل بيته

ما ذكرته هو أيضا ما يعيشه الآخرون في منطقتنا السواد ومعظم المناطق الريفية على وجه العموم ومع ذلك كان الناس يشعرون بالسعادة ولا يشعرون أن شيئا كثيرا ينقصهم مما جد في حياة الأجيال اللاحقة


محمد ناصر العاقل

٣/ رمضان ١٤٤٧ه