آخر تحديث :الأربعاء-25 فبراير 2026-01:04ص

الدراما حين تعرّي الواقع

الثلاثاء - 24 فبراير 2026 - الساعة 03:48 ص
د. رشا الفقيه

بقلم: د. رشا الفقيه
- ارشيف الكاتب



د. رشا الفقيه


شهدت الأيام الماضية تفاعلاً واسعاً في الشارع اليمني مع المسلسل المصري السيدة موناليزا، الذي يُعرض حالياً على عدد من القنوات الفضائية المصرية والعربية. ولم يكن التفاعل مجرد متابعة عابرة، بل تجاوز ذلك إلى حالة من الانبهار والصدمة والسخط، خصوصاً تجاه ما يصوره العمل من ظلمٍ واضطهادٍ واستبدادٍ تمارسه بعض الأسر ضد زوجة الابن.

هذا التفاعل يثير تساؤلاً مهماً: لماذا كل هذا الانبهار والغضب، بينما هذه الممارسات – بدرجات متفاوتة – موجودة في معظم المجتمعات الشرقية، بل ويعترف كثيرون بأنها جزء من واقع اجتماعي معاش؟


الدراما تمتلك قدرة فريدة على تكثيف الواقع وتسليط الضوء عليه بطريقة قد تبدو أحياناً أكثر قسوة من الحقيقة نفسها. فحين يُعرض الظلم في الحياة اليومية، قد يُبرَّر تحت مسميات العادات والتقاليد أو يُطوَّق بالصمت حفاظاً على “تماسك الأسرة”. لكن حين يُجسَّد على الشاشة، يصبح أكثر وضوحاً، وأكثر إيلاماً، وأقل قابلية للتبرير.

في “السيدة موناليزا”، لا يرى المشاهد مجرد خلاف عائلي، بل يرى منظومة كاملة من الهيمنة الذكورية، والتسلط الأسري، والصراع بين الأجيال. وهنا تحديداً يكمن سر الصدمة: المسلسل لم يخترع المشكلة، بل أعاد تقديمها بلا أقنعة.

لماذا الصدمة إذاً؟

قد يبدو مستغرباً أن يُصدم الناس من واقع يعيشونه أو يعرفونه جيداً. غير أن الصدمة هنا ليست من وجود الظاهرة، بل من طريقة عرضها الصريحة والمباشرة. فالكثير من الممارسات التي تُعد “طبيعية” داخل بعض البيوت، تبدو غير مقبولة تماماً حين تُعرض خارج سياقها الخاص.

كما أن المشاهدة الجماعية تصنع وعياً جمعياً؛ فعندما يناقش الناس مشهداً مؤلماً عبر مواقع التواصل أو المجالس، تتحول المعاناة الفردية إلى قضية عامة، ويتحول الصمت الطويل إلى نقاش مفتوح. اللافت أن نسبة كبيرة من التفاعل جاءت من نساء وجدن في أحداث المسلسل انعكاساً لتجارب شخصية. هذا التعاطف الجماعي يمنح العمل بعداً يتجاوز الترفيه، ليصبح مساحة للاعتراف بالمشكلة. وفي المقابل، قد يشعر بعض الرجال أو كبار السن بأن العمل يبالغ أو يسيء إلى صورة الأسرة الشرقية، ما يفتح باباً آخر للنقاش حول حدود الدراما ومسؤوليتها. من المهم التأكيد أن الأعمال الفنية لا ينبغي أن تُحمَّل مسؤولية الواقع، لكنها قادرة على تحفيز الأسئلة. هل ما نراه على الشاشة مبالغة؟ أم أنه نسخة مكبرة من ممارسات مسكوت عنها؟ وهل آن الأوان لمراجعة بعض الأعراف التي تُورَّث دون مساءلة؟

ربما لا يكمن سر الانبهار والسخط في قسوة الأحداث، بل في إحساس المشاهد أن القصة ليست بعيدة عنه. فكل مجتمع يملك “موناليزاه” الخاصة، وكل بيت قد يخفي صراعات لا تظهر للعلن.


الاهتمام اليمني والعربي بالمسلسل يعكس حاجة مجتمعية لمناقشة العلاقة بين الزوجة وأسرة الزوج، وحدود التدخل، ومفهوم الاحترام المتبادل داخل الأسرة الممتدة. وإذا كان العمل قد نجح في شيء، فهو أنه كسر حاجز الصمت، وأخرج قضية مألوفة من دائرة الهمس إلى ساحة الحوار.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سنكتفي بالغضب أمام الشاشة، أم سنحوّل هذا الغضب إلى مراجعة حقيقية داخل بيوتنا؟