آخر تحديث :الأربعاء-25 فبراير 2026-12:26م

المثقف والنخبة أزمة دور ام أزمة قيم.

الأربعاء - 25 فبراير 2026 - الساعة 02:30 ص
امين الحاج

بقلم: امين الحاج
- ارشيف الكاتب


لم تعد كلمة مثقف اليوم تثير ذلك الاحساس بالثقل المعرفي او المسؤولية الاخلاقية، ولم تعد النخبة تعني بالضرورة الطليعة التي تمهد الطريق للمجتمع. الكلمتان تترددان كثيرا، لكنهما تفرغان تدريجيا من معناهما، حتى غدتا اقرب الى توصيفات اجتماعية رخوة منها الى ادوار حقيقية ذات اثر.


في صورتها الاولى، كان ينظر الى المثقف بوصفه عقلا يقظا، منحازا للوعي، قادرا على مساءلة السائد وكشف المسكوت عنه. لم يكن مجرد قارئ جيد او حامل شهادة، بل صاحب رؤية نقدية، يتدخل حين يختل الميزان، ويكتب حين يسود الصمت. اما النخبة فكانت تشير الى مجموعة تمتلك خبرة ومعرفة وتجربة تؤهلها لتحمل مسؤولية القرار، وتقديم بدائل واقعية قابلة للتطبيق.


غير ان المشهد الراهن يقدم صورة باهتة. كثير ممن يصنفون ضمن دائرة الثقافة يمارسون حضورا شكليا، يكتفون بالتعليق من مسافة امنة، او اعادة تدوير افكار مستهلكة في قوالب لغوية منمقة. اللغة اصبحت احيانا غاية في ذاتها، لا وسيلة لفهم الواقع او تغييره. والمصطلحات تستخدم كزخرفة خطابية، لا كادوات تحليل.اما ما يسمى بالنخبة، فقد انزلقت في حالات عديدة الى دائرة مغلقة تحرس امتيازاتها. تتبادل المواقع، وتحتكر المنابر، وتعيد انتاج الخطاب ذاته، كانها تخشى اي تجديد حقيقي. بدلا من ان تكون مساحة مفتوحة للكفاءة، صارت اقرب الى شبكة علاقات تحكمها المصالح والولاءات.


المشكلة ليست في وجود هذه الفئة، بل في ضمور دورها. حين يفقد المثقف استقلاله، ويتحول الى جزء من آلة التبرير، تتاكل قيمته الرمزية. وحين تصبح النخبة معنية بحماية موقعها اكثر من انشغالها بمصير المجتمع، تتراجع قدرتها على الاقناع. وهنا لا يكون الخلل معرفيا بقدر ما هو اخلاقي. كما ان تضخم وسائل التواصل اوجد نوعا جديدا من الشهرة الفكرية السريعة، حيث يختزل العمق في عدد المتابعين، ويقاس التاثير بعدد المشاركات. هذا المناخ عزز منطق الاستعراض على حساب التراكم المعرفي. بات من السهل ان يمنح شخص لقب مفكر او خبير لمجرد حضوره الاعلامي، لا لجهد بحثي راسخ او اسهام ملموس.


تتحمل المؤسسات الاكاديمية والاعلامية جزءا من المسؤولية. حين تغيب المعايير الدقيقة في تقييم الكفاءات، وتقدم الوجوه ذاتها في كل مناسبة، يغلق الباب امام طاقات جديدة قد تكون اكثر التصاقا بقضايا المجتمع. احتكار المنابر يخلق حالة من الجمود، ويجعل الخطاب العام يدور في الحلقة نفسها. ان الفجوة بين الناس ومن يفترض انهم يمثلون وعيهم تتسع عاما بعد عام. المواطن العادي لا يبحث عن خطابات معقدة، بل عن مواقف واضحة، عن اقتراحات عملية، عن اصوات تشبهه وتفهم واقعه. وعندما لا يجد ذلك، يفقد ثقته في كل ما يطرح باسمه.


اعادة الاعتبار لمفهوم المثقف والنخبة لا تكون بالغاء المصطلحين، بل باعادة تحميلهما بمسؤولية حقيقية. المطلوب هو انتقال من ثقافة اللقب الى ثقافة الدور، من الامتياز الى الخدمة، من الحضور الاعلامي الى الاثر الملموس. فالمثقف ليس من يتقن التنظير فحسب، بل من يمتلك شجاعة الانحياز للقيم الانسانية. والنخبة ليست من تتصدر المشهد، بل من تتحمل عبء القرار وتبعاته. ربما آن الاوان لان يقاس المثقف بمدى قدرته على فتح افق جديد للنقاش، لا بعدد الكتب التي يقتبس منها. وان تقاس النخبة بقدرتها على حل ازمة حقيقية، لا بعدد الندوات التي تحضرها. عندها فقط تستعيد الكلمات وزنها، ويستعيد المجتمع ثقته بمن يتحدث باسمه. اما اذا ظل اللقب اكبر من الفعل، فستبقى المفاهيم معلقة في الهواء، وسنستمر في انتاج خطاب انيق بلا اثر، وصورة براقة بلا مضمون.