آخر تحديث :الإثنين-04 مايو 2026-12:49ص
أخبار وتقارير

من لندن إلى صنعاء.. قصة وسام قائد الذي عاد ليزرع الحياة فاغتيل في أرض أحبها

الإثنين - 04 مايو 2026 - 12:49 ص بتوقيت عدن
من لندن إلى صنعاء.. قصة وسام قائد الذي عاد ليزرع الحياة فاغتيل في أرض أحبها
غرفة الاخبار

قبل عقود، شدّ رجل يمني الرحال إلى بريطانيا، وهناك استقرت حياته وتكوّنت أسرته، وامتدت جذوره في أرض جديدة. مرّت السنوات، وكبر الأحفاد، حتى جاء ذلك الحفيد الذي قرر أن يعكس المسار… أن يعود. كان اسمه وسام قائد.

عاد وسام إلى اليمن بعد أن أنهى دراسته في جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة، ولم تكن عودته عابرة أو مؤقتة، بل كانت قرار حياة. حين وصل إلى صنعاء، اختار البقاء، واختار أن يضع علمه وخبرته في خدمة الناس، خصوصًا أولئك الذين يعيشون على هامش الحياة: المزارعون، الحرفيون، النساء الباحثات عن فرصة، وأصحاب المشاريع الصغيرة.

في العام 2013، كان الحماس يسبق كلماته. كان يتحدث عن مشروع الحقائب النسائية التي صُنعت بأيادٍ يمنية في تهامة ومدن الساحل، وكيف خرجت من البيوت البسيطة إلى الأسواق العالمية. لم يكن الأمر مجرد تجارة، بل حكاية كرامة. أحضر مدربات من بريطانيا إلى صنعاء، ودُرّبت نساء يمنيات على هذه الصناعة، لتتحول كل واحدة منهن إلى مصدر رزق لعائلتها. وفي ذات العام، أبحرت سفينة من سواحل اليمن تحمل 15 ألف حقيبة، متجهة إلى بريطانيا… رحلة لم تكن مجرد شحن بضائع، بل تصدير أمل.

كان وسام يرى في المشاريع الصغيرة حياة كاملة، لا مجرد أرقام. وحين تحدث عن مزارعي البن، قال ذات مرة: “نحن لا نستهدف عددًا محددًا فقط، بل نسعى لأن نرى مائة ألف إنسان وقد تغيّرت حياتهم إلى الأفضل، وأصبحوا أكثر تفاؤلًا بمستقبل هذه الشجرة”. لم يكن يتحدث عن محصول، بل عن إنسان.

وكان يؤمن أن للقهوة حكاية، وأن من يشربها في أقصى العالم يريد أن يعرف من أين جاءت. كان يقول: “حين تروي لهم الطريق الذي سلكته القهوة، يشعرون أنهم جزء من الرحلة… كأنهم هم من زرع وقطف، وها هم الآن يتذوقون ثمرة تعبهم”. كان يصنع من التفاصيل الصغيرة قصة إنسانية كاملة.

عمل وسام قائد على إنعاش مشاريع كادت أن تموت، وأعاد إليها الحياة. لم يكن كثير الكلام، لكنه كان حاضرًا في كل مشروع ناجح، وفي كل بيت تغيّرت حاله، وفي كل يدٍ أصبحت منتجة بعد أن كانت تنتظر.

وحين كان يُسأل عن العودة إلى بريطانيا، كان يستغرب السؤال. لم يكن يفكر في الرحيل. ربما كان حذرًا من تكرار قصة جده الذي غادر، لكنه اختار العكس… اختار أن يبقى.

لم يغادر وسام… لكنه أيضًا لم يمت موتًا طبيعيًا. قُتل في الأرض التي عاد ليخدمها. قُتل وهو يحاول أن يرى العالم ما لدى الناس هنا من مواهب، وأن يمنحهم فرصة للوقوف على أقدامهم.

من صورة معلقة على جدار غرفة في ضواحي لندن، إلى صورة نتداولها اليوم بحزن ووجع… هكذا انتهت الحكاية التي لم تكن تستحق هذه النهاية. لكن ما زرعه لم ينتهِ. فما زالت الأشجار التي أحبها تُثمر، وما زالت القصص التي بدأها تُروى.

رحمة من الله عليك يا وسام… وسلام على روحك الطيبة… وصبر لكل من عرفك وأحبك.

بتصرف عن صقر السنيدي