آخر تحديث :الإثنين-02 مارس 2026-03:20ص

أدوات أعداء السلام… من إسقاط الجيوش إلى استهداف المشروع العربي

الأربعاء - 25 فبراير 2026 - الساعة 04:32 م
حسين علي باهميل

بقلم: حسين علي باهميل
- ارشيف الكاتب


بقلم: حسين علي باهميل


منذ مطلع الثمانينيات، لم تكن الفوضى التي عصفت بعدد من الدول العربية أحداثاً منفصلة، بل حلقات في مسار واحد: تفكيك الدولة الوطنية، وإضعاف النظام العربي، وضرب أي مشروع جامع يمكن أن يقود إلى الاستقرار.


بدأ المشهد مبكراً مع إنشاء حزب الله عام 1982، حيث ترسخ نموذج “الدولة داخل الدولة”، والسلاح خارج المؤسسة العسكرية. ثم جاء مفهوم “الثلث المعطل” ليكرّس تعطيل الدولة من داخلها. لم يعد الصراع فقط مع عدو خارجي، بل أصبح القرار السيادي نفسه رهينة توازنات قوى مسلحة.


بعدها انهارت الدولة في الصومال، ليولد مصطلح “الصوملة” عنواناً لفقدان الدولة بالكامل. وفي العراق عام 2003، رُفع شعار تغيير النظام، لكن الذي سقط فعلياً كان الجيش ومؤسسات الدولة، فدخل البلد في نفق الانقسام الطائفي والمليشياوي.


ثم جاء ما سُمّي بالربيع العربي، بشعار “إسقاط النظام”، فإذا بالنتيجة في أكثر من ساحة هي إسقاط الدولة نفسها.

في ليبيا تعددت المليشيات وغاب المركز.

وفي السودان تفجرت الصراعات المسلحة وتعثر الانتقال.


النمط كان واضحاً:

تفكيك الجيوش…

إضعاف المؤسسات…

خلق كيانات مسلحة موازية…


لكن الأخطر لم يكن فقط إسقاط الدول، بل استهداف المشروع العربي نفسه، ومحاولة إسقاط أي مبادرة سلام عربية يمكن أن تعيد ترتيب البيت من الداخل.


حين أطلقت المملكة العربية السعودية مبادرة السلام العربية في بيروت عام 2002، لم تكن مجرد طرح سياسي، بل كانت إعلاناً عن رؤية عربية مستقلة للسلام، توازن بين الحقوق والاستقرار، وتعيد للعرب زمام المبادرة. لذلك لم يكن مستغرباً أن يصبح هذا المشروع – ومعه النظام العربي – هدفاً لمحاولات الإضعاف والتفكيك.


فالمملكة، بما تمثله من ثقل سياسي وديني واقتصادي، وبقدرتها على قيادة مشروع عربي إسلامي جامع، كانت ولا تزال الهدف الأول في أي مخطط يسعى لإعادة تشكيل المنطقة خارج إرادة شعوبها. ضرب الدولة هنا، وإشغالها هناك، وصناعة أزمات مستمرة في محيطها، كلها أدوات لتقويض قدرتها على القيادة.


في اليمن، لم يكن ظهور جماعة الحوثي مجرد حدث داخلي، بل محطة في مسار إضعاف الدولة اليمنية وإرباك محيطها العربي. ثم جاء المجلس الانتقالي بخطاب مناطقي وممارسة أربكت المشهد أكثر، وعمّقت الانقسام في لحظة كان يفترض أن تتجه فيها الجهود نحو استعادة الدولة لا تقاسم أنقاضها.


وفي مصر، جرت محاولة إدخال الدولة في دوامة انهيار مؤسساتي وأمني بعد 2011، في سياق إقليمي كان يستهدف إسقاط مراكز الثقل العربي تباعاً.


السؤال اليوم لم يعد عن تفاصيل كل ساحة على حدة، بل عن الصورة الكاملة:

هل ما جرى كان مجرد تفاعلات داخلية؟

أم أن هناك مساراً استهدف إسقاط المبادرة العربية، وإضعاف النظام العربي، ومنع أي قيادة عربية – وفي مقدمتها المملكة – من توحيد الصف وقيادة مشروع عربي إسلامي جامع؟


إن إسقاط الجيوش لم يكن غاية في ذاته، بل وسيلة.

وإسقاط الأنظمة لم يكن الهدف النهائي، بل تفكيك الدول.

أما الهدف الأعمق، فكان منع قيام مشروع عربي مستقل قادر على فرض معادلة سلام من موقع قوة.


واليوم، بعد كل هذه التجارب، يبقى السؤال موجهاً لكل من انخرط – بوعي أو بدونه – في أدوات الفوضى:

هل تدركون أن ضرب الدولة لا يحررها؟

وأن استهداف المشروع العربي لن يصنع وطناً بديلاً؟


إما الانحياز للدولة ولمشروع الاستقرار،

وإما البقاء في دائرة الفوضى التي لا تُبقي دولة ولا تحفظ كرامة.