تواجه بلادنا تحدياً اقتصادياً عميقاً يتمثل في أزمة السيولة النقدية التي يعاني منها البنك المركزي والقطاع المصرفي والتي ألقت بظلالها الثقيلة على الشارع اليمني. هذه الأزمة التي تفاقمت بسبب عوامل متعددة منها تراجع الإيرادات العامة والمضاربة بالعملة ليست مجرد مشكلة فنية فقط فهي عائق حقيقي أمام دوران عجلة الاقتصاد والاستقرار النقدي.
ولكن في خضم هذه التحديات ومع التحسن الملحوظ الذي يشهده الريال اليمني مؤخراً تبرز فرصة استراتيجية غير مسبوقة وهي في الانتقال نحو اقتصاد رقمي متكامل.
إن الاعتماد شبه الكلي على النقد المادي (الكاش) لم يعد خياراً مستداماً فهو لا يفاقم أزمة السيولة فحسب ايضا يفتح الباب أمام الاكتناز ويُضعف قدرة السياسة النقدية على تحقيق الاستقرار.
و الحل لن يكون في طباعة المزيد من الأوراق النقدية انما في بناء "شرايين رقمية" جديدة يتدفق عبرها المال بكفاءة وشفافية.
وهناك خارطة طريق من ثلاث ركائز للتحول الرقمي المالي
إن التحول الرقمي خيار تقني وضرورة تنموية لتعزيز الشمول المالي وتحقيق الاستقرار ولتحقيق ذلك أقترح التركيز على ثلاث ركائز أساسية وهي كمايلي :
1- بناء الثقة عبر بنية تحتية رقمية آمنة وموحدة:
وهذه هي الخطوة الأولى لبناء الثقة لدى المواطن والتاجر على حد سواء وهذا يتطلب من البنك المركزي بالتعاون مع البنوك وشركات الاتصالات العمل على الخطوات التالية
أ_ إطلاق منصة دفع وطنية موحدة (National Payment Switch):منصة تتيح التشغيل البيني بين جميع المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية مما يسمح للمواطن بتحويل الأموال من أي حساب إلى أي حساب آخر بسهولة وسلاسة تماماً مثلما تعمل شبكات الاتصالات.
ب_ تعزيز الأمن السيبراني: يجب أن تكون حماية بيانات وأموال المستخدمين أولوية قصوى لضمان عدم تردد المواطنين في استخدام القنوات الرقمية.
ج_ توسيع شبكة الوكلاء ونقاط الدفع: يجب دعم انتشار نقاط الخدمة المالية في كل مكان خاصة في المناطق الريفية لتمكين عمليات الإيداع والسحب بسهولة.
2- تحفيز التبني عبر رسم سياسات ذكية ومزايا ملموسة على الواقع:
لا يمكن فرض التحول الرقمي ولكن علينا تشجيعه ويمكن للحكومة والبنك المركزي قيادة هذا التوجه من خلال القيام بالآتي:
أ_ رقمنة المدفوعات الحكومية: صرف رواتب الموظفين والمساعدات الاجتماعية مباشرة إلى المحافظ الإلكترونية أو الحسابات البنكية وهذه الخطوة وحدها كفيلة بإدخال كتلة نقدية ضخمة إلى الدورة الرقمية.
ب_ تقديم حوافز للتجار والمستهلكين: يمكن تقديم تخفيضات ضريبية رمزية للتجار الذين يقبلون الدفع الإلكتروني أو نقاط ولاء ومكافآت للمستهلكين الذين يستخدمون البطاقات أو المحافظ الرقمية في مشترياتهم.
ج_ دعم التجارة الإلكترونية المحلية وتسهيل إجراءات إنشاء المتاجر الإلكترونية وتوفير بوابات دفع آمنة ومنخفضة التكلفة سيشجع على نمو هذا القطاع الحيوي الذي يقلل الاعتماد على النقد.
3- التوعية وبناء القدرات كاستثمار في المستقبل والتحول الرقمي هو تحول ثقافي بالدرجة الأولى لذا من الضروري إطلاق حملات توعية وطنية واسعة لشرح فوائد الدفع الإلكتروني وكيفية استخدامه بأمان و يجب أن تستهدف هذه الحملات جميع شرائح المجتمع مع التركيز على كبار السن والفئات الأقل تعليماً في المناطق الريفية.
إن معالجة أزمة السيولة عبر تبني التحول الرقمي يعتبر حل تقني ومالي لايحتمل التأخير في ظل الأزمة التي يعيشها الوطن والمناطق المحررة اليوم بالإضافة إلى انه استثمار في مستقبل الاقتصاد اليمني سيؤدي ذلك إلى تعزيز الشمول المالي وتقليل حجم الاقتصاد غير الرسمي وزيادة كفاءة السياسة النقدية وخلق بيئة اقتصادية أكثر شفافية واستقراراً.
وإن التحسن الحالي في قيمة الريال يوفر نافذة وفرصة ثمينة للبدء في هذه الإصلاحات الجريئة فلنستغل هذه اللحظة لتحويل الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد يمني حديث ومستدام والكرة الآن في ملعب صانعي السياسات الماليه المتمثل بوزارة الماليه والقطاع النقدي وسياسته والمتمثل بالبنك المركزي اليمني لقيادة هذا التحول القومي والتاريخي وسوف يكون النواه الذي تنطلق منه الأتمته في جميع قطاعات الدولة لتواكب التطور والحداثه التي يمر بها الأقليم والعالم اليوم .