آخر تحديث :السبت-28 فبراير 2026-12:03ص

المعتقلون والمخفيون قسرًا… الحقيقة التي تهدد ما تبقى من الدولة

الجمعة - 27 فبراير 2026 - الساعة 09:43 م
أمين بن المغني

بقلم: أمين بن المغني
- ارشيف الكاتب


في كل بيتٍ يمني قصةُ انتظار. أمٌّ تترقب اتصالًا لا يأتي، زوجةٌ تحتفظ بصورةٍ باهتة على أمل اللقاء، أطفالٌ كبروا وهم يسألون: أين أبي؟


ملف المعتقلين والمخفيين قسرًا لم يعد بندًا حقوقيًا مؤجلًا في أدراج السياسة، بل صار امتحانًا أخلاقيًا وقانونيًا للدولة، واختبارًا حقيقيًا لصدق كل خطابٍ يتحدث عن السلام.


منذ اندلاع الحرب، وثّقت جهات دولية ومحلية—من بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية—حالات احتجاز تعسفي وإخفاء قسري في مناطق متعددة وعلى يد أطراف مختلفة. وهذا يعني أن القضية لم تعد اتهامًا لطرف بعينه بقدر ما هي توصيف لواقعٍ مأزوم غابت فيه المحاسبة، وتراجعت فيه سيادة القانون.


الإخفاء القسري جريمة مركّبة: تبدأ بالاعتقال خارج إطار القانون، وتستمر بإنكار المصير، وتتحول مع الوقت إلى عذابٍ يوميٍّ للأسر. إنها جريمة لا تتوقف عند لحظة الخطف، بل تتجدد كل صباح مع سؤالٍ بلا إجابة. وفي القانون الدولي، تُعد من الانتهاكات الجسيمة التي لا تسقط بالتقادم عندما ترتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، لأنها تمسّ جوهر الكرامة الإنسانية.


سياسيًا، لا يمكن لأي عملية سلام أن تنجح بينما آلاف الملفات معلّقة في الهواء. كيف يمكن الحديث عن مصالحة وطنية دون كشف الحقيقة؟ وكيف تُبنى الثقة بين المجتمع ومؤسسات السلطة في ظل استمرار الغموض؟ إن تجاهل هذا الملف لا يطويه، بل يراكم الغضب ويفتح أبوابًا جديدة للاحتقان.


لقد أشارت تقارير صادرة عن لجنة حماية الصحفيين ومراسلون بلا حدود إلى أن استهداف الصحفيين والناشطين شكّل جزءًا من نمط أوسع من الانتهاكات، حيث يتحول الصوت الحر إلى تهمة، والمطالبة بالشفافية إلى مخاطرة شخصية. وهذا يعمّق الإحساس بأن القضية تتجاوز الأفراد لتلامس بنية السلطة ذاتها.


إن الخطوة الأولى ليست معقدة: إعلان قوائم رسمية بأسماء جميع المحتجزين، وتحديد أماكن احتجازهم، وتمكين ذويهم من الزيارة. يلي ذلك تشكيل لجنة مستقلة ذات مصداقية للتحقيق وكشف المصير، ثم محاسبة المسؤولين وفق إجراءات قضائية عادلة وشفافة. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها، أو تتهاون في كشف مصيرهم، تفقد جزءًا من شرعيتها الأخلاقية.


الكشف عن مصير المعتقلين والمخفيين قسرًا ليس مطلبًا سياسيًا لفئة، ولا شعارًا موسميًا يُرفع في بيانات المناسبات. إنه حقٌّ أصيل، والتزامٌ قانوني، وشرطٌ أساسي لأي استقرارٍ مستدام.


فالسلام الحقيقي لا يبدأ بتبادل الصور أمام الكاميرات، بل يبدأ بإعادة إنسانٍ إلى أسرته… أو على الأقل بإعادة الحقيقة إلى مكانها.