أثبتت الأرض الجنوبية، مرةً تلو الأخرى، أنها أرضٌ خصبة برجالها ومواقفهم، وبوصلتهم الواضحة التي لا تحيد عن الانتماء للأرض وقيادتها ففي كل جمعة، لا تخرج الكلمات من الساحات عبثًا، بل تُسطر رسائل عميقة المعنى، تؤكد أن الجنوب حاضر بإرادته، واعٍ بتحدياته، ومتمسك بحقه في مستقبلٍ آمنٍ ومستقر.
هذه الرسائل لا تقتصر على الداخل الجنوبي وحده، بل تتجه بوضوح إلى الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في مسار الاستقرار، وشريكين محوريين في أي حل سياسي قادم. وهي فرصة حقيقية لأن يتشكل حل سياسي توافقي، قائم على شراكة حقيقية وعادلة للقوى الجنوبية لا شراكة شكلية ولا تفاهمات مؤقتة ولا اقصاء .
صحيح أن المواطن اليوم يشعر بشيء من الاستقرار النسبي في خدمة الكهرباء، وهو أمر لا يمكن إنكاره، لكنه يظل استقرارًا جزئيًا لا يرقى إلى مستوى تطلعات الناس ولا يلامس عمق معاناتهم. فما زال مشوار الخدمات طويلًا، ولم يلمس المواطن تحسنًا حقيقيًا في المياه، ولا في الرواتب، ولا في مستوى المعيشة، في ظل غلاء فاحش وارتفاع جنوني للأسعار، يقابله راتب ضئيل جامد في مكانه، لا يتحرك رغم تسارع الأعباء اليومية.
الناس اليوم لا تطلب المستحيل، بل تأمل باستقرار سياسي حقيقي، لأن السياسة حين تستقيم، تستقيم معها الخدمات والأمن والمعيشة. وأي تصحيح حقيقي للمسار يجب ألا يكون باتجاه واحد، أو محصورًا في الجنوب فقط، بل تصحيحًا شاملًا يطال كل الجغرافيا اليمنية. فهناك شمالٌ تُدار قضاياه من فنادق الخارج، وتُصرف معاشاته بعيدًا عن هموم الناس، فيما تقبع صنعاء تحت قبضة مليشيات الحوثي، رهينة السلاح والقهر والانقلاب.
إن التغيير الحقيقي الذي ينشده المواطن اليوم هو تغيير ينتشل الأوضاع من حالة الجمود، ويؤسس لاستقرار أمني ومعيشي، ويفتح الطريق نحو استعادة الدولة، وفي مقدمتها تحرير صنعاء، باعتبارها استحقاقًا وطنيًا لا يمكن تجاوزه ولا تأجيله.
الجنوب أوصل رسالته بوضوح: نحن مع الاستقرار، مع الشراكة، ومع الحل السياسي العادل، لكننا في الوقت ذاته مع الكرامة، ومع حق المواطن في حياة كريمة، ومع مشروع وطني لا يُدار من الفنادق، ولا يُختطف بالسلاح، بل يُبنى بإرادة الناس وتضحياتهم.