آخر تحديث :الإثنين-02 مارس 2026-03:20ص

ستون عاماً… والجنوب بين حلم الدولة وكابوس العصابة

السبت - 28 فبراير 2026 - الساعة 05:50 م
حسين علي باهميل

بقلم: حسين علي باهميل
- ارشيف الكاتب


بقلم: حسين علي باهميل


ستون عاماً والجنوبيون يُساقون من مسيرة إلى مسيرة، ومن شعار إلى شعار، ومن صورةٍ تُرفع إلى صورةٍ تُنزل… لكنهم لم يُمنحوا دولة حقيقية يوماً. لم يعيشوا في ظل مؤسسات مستقرة، ولا في كنف قانونٍ يسمو فوق الجميع، بل عاشوا في ظل تنظيماتٍ تتبدل أسماؤها ويبقى جوهرها واحداً: حكم العصابة بثوب الحزب.


من الجبهة القومية إلى الحزب الاشتراكي، تغيرت اللافتات وبقي الأسلوب. الدولة لم تكن مشروع مؤسسات، بل كانت مشروع سيطرة. السلطة لم تكن عقداً اجتماعياً، بل غنيمة تُدار بمنطق الرفاق لا بمنطق الدستور. وكأنهم أضافوا على ما قاله فلاديمير لينين تفسيراً خاصاً: الدولة ليست كياناً يُبنى، بل حلماً مؤجلاً يُتلى في الخطب ويُعلّق في الصور… أشبه بـ“المهدي المنتظر” الذي يُبشَّر به ولا يأتي.


المأساة أن من شبَّ على ثقافة المسيرات، شاب على عقلية القطيع السياسي. يُرفع اليوم قائدٌ إلى مرتبة الرمز الخالد، وغداً يُقصى أو يُغتال أو يُمحى من الذاكرة. رفعوا صورة قحطان، ثم انتهى في ظلام السجون. هتفوا لسالمين “يا رمز الثورة”، ثم اغتالوه. مجّدوا عبدالفتاح، ثم لفظوه. اختلفوا مع علي ناصر، فاشتعل الجنوب ناراً تأكل أبناءه. دائرة مغلقة من التمجيد والتصفية… من صناعة الرمز إلى كسره.


لم يعرفوا الدولة بمعناها الحديث: مؤسسات، تداول، رقابة، فصل سلطات، احتكام للقانون. عرفوا فقط “تنظيم القيادة” و“مكتب القرار” و“التوجيه الثوري”. وحين تُختزل الدولة في حزب، ويُختزل الحزب في دائرة ضيقة، تصبح البلاد رهينة نزواتٍ وصراعات شخصية. هكذا عاش الجنوب عقوداً؛ دولة اسمها جمهورية، وحقيقتها شبكة ولاءات.


اليوم يتكرر المشهد بصورة جديدة وأدوات حديثة، لكن الجوهر واحد. نفس العقلية، نفس اللغة، نفس ثقافة التخوين، ونفس احتكار الوطنية. من يعارضهم يُتهم بالخيانة، ومن ينتقدهم يُسلخ من هويته. وكأن الجنوب ملكية خاصة، وكأن النضال إرثٌ عائلي.


شعب الجنوب يعرفهم جيداً؛ يعرف تاريخهم، ويعرف كيف تُدار اللعبة. لكن المشكلة أن قوى خارجية، لا يهمها قيام دولة مستقرة، تجد في هذه الفوضى مصلحة، فتغذيها وتدعم استمرارها. لأن الدولة الحقيقية تعني قراراً مستقلاً، ومؤسساتٍ لا تُدار بالريموت، ومجتمعاً لا يُختطف بالشعارات.


إذا أردنا بناء دولة، فعلينا أولاً أن نكسر الوهم. أن نفهم أن من يتقن إدارة المسيرات لا يعني أنه قادر على إدارة مؤسسات. وأن من يجيد صناعة الهتاف، لا يعني أنه يجيد صناعة السياسات. رجال الدولة يُقاسون بقدرتهم على بناء نظام يحمي خصومهم قبل أن يحميهم، لا بقدرتهم على تعبئة الساحات.


ستون عاماً كافية لاستخلاص الدرس. الدولة لا تُبنى بالعصبية، ولا تُدار بالثأر، ولا تُختزل في صورة تُرفع أو تُنزل. الدولة مشروع قانون، ومشروع عدالة، ومشروع استقرار طويل النفس.


أما الاستمرار في نفس النهج، فهو ليس إلا إطالة لعمر الحلقة المفرغة… حلقة تبدأ بالمسيرة وتنتهي بالمأساة، ثم تعود من جديد. والسؤال الذي يجب أن يواجهه الجميع بصدق: هل نريد قرناً آخر من حكم العصابة، أم نريد أخيراً دولة تستحق اسمها.