آخر تحديث :الإثنين-02 مارس 2026-02:45ص

الاستراتيجية الخليجية الجديدة: منظور و أبعاد

الأحد - 01 مارس 2026 - الساعة 05:21 م
المحامي / جسار مكاوي

بقلم: المحامي / جسار مكاوي
- ارشيف الكاتب


يمثل انعقاد المجلس الوزاري لـ مجلس التعاون لدول الخليج العربية محطة سياسية تتجاوز منطق الاجتماعات الدورية و تدخل في نطاق إعادة صياغة الدور الإقليمي الخليجي في مرحلة تشهد تحولات جيوسياسية عميقة في بنية الصراعات العربية وفي طبيعة التهديدات الموجهة للأمن القومي العربي.. فالاستراتيجية الخليجية الجديدة لا يمكن فهمها بوصفها تحديثًا في الخطاب أو إعادة ترتيب للأولويات الظرفية بل باعتبارها انتقالًا في فلسفة التعاطي مع المجال العربي نفسه و مع مفهوم الاستقرار و مع أدوات حماية الأمن الإقليمي..لقد تغيّر السؤال المركزي الذي تُبنى عليه السياسات..لم يعد السؤال.. كيف نحتوي الأزمات بعد انفجارها؟

بل أصبح..كيف نمنع تشكّل شروط انفجارها من الأصل؟ ومن هنا يتشكل المنظور الجديد لهذه الاستراتيجية.. لم تعد الساحات العربية تُقاس بحدود الجغرافيا أو بمظاهر السيادة الشكلية بل بمدى قابليتها للتحول إلى منصات نفوذ وساحات استقطاب إقليمي و دولي وأدوات ضغط عابر للحدود. .و بذلك لم يعد الخطر في اتساع رقعة الصراع فحسب و إنما في قدرة بعض البيئات السياسية الهشّة على إعادة إنتاج الصراع بصورة دائمة..فمن المنظور السياسي للأمن..تنطلق الاستراتيجية الخليجية الجديدة من إعادة تعريف جوهري لمفهوم الأمن القومي العربي..فالأمن لم يعد محصورًا في مواجهة التهديدات العسكرية المباشرة أو ضبط التوازنات الميدانية و إنما بات مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمنع تشكّل البيئات السياسية القابلة للاختراق أو لإعادة التوظيف من قبل مشاريع إقليمية منافسة و في مقدمتها المشروع المرتبط بالنظام الحاكم في إيران..فالخطر الحقيقي لم يعد يتمثل في المواجهة العسكرية المباشرة بقدر ما يتمثل في التهديد البنيوي الذي يتسلل عبر الانقسام السياسي والفشل المؤسسي وغياب الدولة و تآكل مفهوم السلطة العامة..إن هشاشة الدولة أصبحت في الحسابات الاستراتيجية الحديثة أخطر من العداء المعلن..و في البعد القانوني في إدارة المجال العربي..تقــــــــــــــوم الاستراتيجية الخليجية الجديدة على إعادة ضبط العلاقة القانونية والسياسية مع الكيانات والسلطات الناشئة في مناطق النزاع..فلم يعد منطق شرعية الأمر الواقع ولا سياسة الاعتراف السياسي المجرد كافيَين لتأسيس شراكات مستقرة أو دعم طويل الأمد.

بل تتجه المقاربة الجديدة إلى ربط أي تعاون أو انفتاح أو دعم إقليمي بجملة من الشروط القانونية و المؤسسية في مقدمتها..وحدة القرار العام..وجود هياكل مؤسسية فاعلة..و عدم السماح بتعدد مراكز السيادة داخل الإقليم الواحد..ويُعد هذا التحول نقلة نوعية في التفكير القانوني الإقليمي لأنه ينقل الفعل الخليجي من التعامل مع نتائج الانهيار إلى محاولة تقييد آليات إنتاجه و من إدارة الفوضى إلى ضبط شروط نشأتها.

و بذلك تصبح مسألة بناء السلطة العامة المنضبطة جزءًا من معايير الاستقرار لا مجرد شأن داخلي معزول عن الحسابات الإقليمية..من خلال البعد الإداري وأدوات التأثير على المستوى التنفيذي تتجه الاستراتيجية الخليجية الجديدة إلى تجاوز منطق التحالفات السريعة والرهانات قصيرة الأجل و الانتقال إلى أدوات تأثير طويلة النفس تقوم على دعم هياكل الدولة لا الأشخاص..بناء القدرات الإدارية والمؤسسية لا شبكات النفوذ..

تمكين مؤسسات الخدمة العامة لا مراكز القوة الموازية..فالرهان لم يعد على من يتصدر المشهد السياسي في لحظة معينة بل على مدى قابلية الدولة نفسها للبقاء والاستمرار والقيام بوظائفها الأساسية.

و تعكس هذه المقاربة إدراكًا متقدمًا بأن استقرار الإقليم لا يتحقق عبر إدارة التوازنات السياسية فقط وإنما عبر إعادة بناء القدرة الإدارية للدولة باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الانقسام وضد التوظيف الخارجي وضد تفكك المجال العام..أما البعد الإقليمي والرسالة للداخل العربي.. الرسالة الأساسية التي تحملها هذه الاستراتيجية لا تتوجه إلى الخارج وحده بل إلى الداخل العربي قبل غيره.

و مضمونها أن مرحلة التساهل مع الانقسامات السياسية الحادة ومع ازدواج السلطة ومع تعدد مراكز القرار ومع تحويل القضايا العادلة إلى ساحات صراع إقليمي لم تعد قابلة للاستمرار دون أن تتحول إلى عبء مباشر على أمن المنطقة بأكملها..فالاستقرار لم يعد يُقاس بغياب الحرب فقط بل بقدرة الدولة على احتكار القرار العام و على ضبط المجال السياسي و على حماية وحدتها المؤسسية..إن الاستراتيجية الخليجية الجديدة لا تستهدف مواجهة النفوذ الإيراني بوصفه ظاهرة سياسية أو أمنية معزولة بل تتجه إلى معالجة الخطر الأعمق و المتمثل في البيئات التي تسمح لهذا النفوذ أن يولد و يتوسع و يتجدد.

و من هنا تتحول المقاربة الخليجية من سياسة ردّ فعل إلى سياسة وقاية إقليمية هدفها حماية المجال العربي من إعادة إنتاج الساحات التابعة و من تفريخ الكيانات المنقسمة التي تقوّض بصمت وببطء جوهر الأمن القومي العربي .