آخر تحديث :الإثنين-02 مارس 2026-01:43ص

باعوا الدولة… ثم يطالبون بورثها!

الأحد - 01 مارس 2026 - الساعة 11:49 م
حسين علي باهميل

بقلم: حسين علي باهميل
- ارشيف الكاتب


بقلم: حسين علي باهميل


ليس أخطر على قضيةٍ عادلة من أن يتصدرها من خانها. وليس أوجع على شعبٍ ناضل من أجل دولته، من أن يكتشف أن من سلّموا مفاتيحها هم أنفسهم من يرفعون اليوم شعار استعادتها.


يا أبناء الجنوب… دعونا نواجه الحقيقة كما هي، بلا رتوش ولا شعارات ولا تخدير عاطفي.

لو كانت دولة الجنوب عندهم قضية وجود، لما قدّموها قربانًا لبقائهم في السلطة.

لو كانت الدولة عندهم شرفًا وميثاقًا، لما ألغوها بتوقيعٍ واحد، مقابل كرسيٍّ زائل ونفوذٍ مؤقت.

لو كانت الدولة خطًا أحمر، لما ذهبت ضحية صفقاتٍ سياسية ضيّقة، عنوانها البقاء في الحكم ولو على أنقاض وطن.


لقد أُلغيت الدولة يوم قرر بعض قادتها أن “السلطة” أهم من “الوطن”، وأن الشراكة في حكم أكبر تغنيهم عن مسؤولية بناء دولة مستقلة. فذابت المؤسسات، وتفككت المنظومة، وضاع الكيان، لأن القرار لم يكن قرار شعب… بل قرار نخبةٍ أرادت أن تحمي نفسها، لا أن تحمي الدولة.


أُلغيت الدولة حتى لا يعود من أُقصوا.

أُلغيت الدولة حتى لا تُفتح ملفات المغيبين والمخفيين.

أُلغيت الدولة حتى لا يُحاسَب من استأثر وأقصى وأدار ظهره للناس.

فكان الحل الأسهل: إلغاء الكيان نفسه، حتى لا يبقى مرجع يُحاسِب أو إطار يُراجع.


ثم بعد كل ذلك… يخرج علينا نفس الوجوه، بنفس الأدوات، بنفس العقلية، ليطالبوا بالدولة التي وقّعوا شهادة وفاتها!


أي مفارقة هذه؟ وأي استخفاف بوعي الجنوبيين؟

القضية الجنوبية لم تُهزم في ميادين القتال، بل هُزمت يوم تحوّلت من مشروع شعب إلى مشروع سلطة. هُزمت يوم صار شعار الدولة وسيلةً للتمترس السياسي، لا غايةً وطنية جامعة.

هُزمت يوم فُضّل الإقصاء على الشراكة، والانتقام على المصالحة، والولاءات الضيقة على بناء مؤسسات دولة حقيقية.


يا أبناء الجنوب… من يريد دولة، يبدأ ببناء إنسانٍ يؤمن بالقانون. من يريد دولة، يقبل بالتعدد، لا يُكفّر المختلف سياسيًا. من يريد دولة، لا يختطف القضية ويحتكر تمثيلها. ومن يريد دولة، لا يستخدمها درعًا للهروب من المساءلة.


الدولة ليست شعارًا يُرفع في المهرجانات.

الدولة عقدٌ أخلاقي قبل أن تكون حدودًا وعَلَمًا.

الدولة مسؤولية، لا وسيلة ضغط.

الدولة مشروع أمة، لا مشروع فئة.


إن أخطر ما يهدد الجنوب اليوم ليس الخصوم المعلنين، بل أولئك الذين يتاجرون بالقضية من الداخل. الذين يخوّنون كل من يختلف معهم.

الذين يختزلون الجنوب في أشخاص، وفي تنظيم، وفي دائرة مغلقة.


هؤلاء هم الذين باعوا من لا يملكون، لمن لا يستحق.

باعوا الدولة حين كانت قائمة. ويريدون اليوم شراءها من جديد بدموعٍ سياسية وشعاراتٍ مستهلكة.


إن أردنا فعلًا أن نفهم من سبب مآسينا، فلنبحث عن لحظة التوقيع… لا عن لحظة الخطاب.

ولنفتّش في قرار الإلغاء… لا في مهرجانات الاستعادة.


الجنوب لا يحتاج إلى مزيد من الصراخ،

بل يحتاج إلى شجاعة الاعتراف:

أن من أضاع الدولة بالأمس، لا يمكن أن يكون أمينًا على استعادتها اليوم.

والشعوب التي لا تراجع تاريخها بصدق،

تُعيد مأساتها… بأسماء جديدة.