آخر تحديث :الثلاثاء-03 مارس 2026-12:52ص

تحليل للأوضاع الراهنة في الشرق الأوسط - الصراع المركب بين الأبعاد الأيديولوجية والاقتصادية والجيوسياسية

الإثنين - 02 مارس 2026 - الساعة 10:59 م
محمد شهاب

بقلم: محمد شهاب
- ارشيف الكاتب


طبيعة الصراع الوجودي


ما يشهده الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد صراع إقليمي آخر، ولا هو حرب بالوكالة بالمعنى التقليدي. إنه مسرح المواجهة المركزي في حرب نظامية عالمية، تتقاطع فيها ثلاث دوائر كبرى: الدائرة الأيديولوجية/الدينية (الرؤى الأخروية و الصهيونية بفرعيها المسيحي و اليهودي)، والدائرة الاقتصادية/النقدية (صراع العملات و منظومة الربا العالمية)، والدائرة الجيوسياسية (الصراع على الهيمنة بين القطب الواحد والعالم الذي يتحول إلى متعدد الأقطاب).


الضربة الأمريكية-الإسرائيلية الأخيرة على إيران، ومقتل المرشد الأعلى، ليست هدفها منع طهران من امتلاك سلاح نووي فقط. الهدف الأعمق هو إعادة هيكلة المنطقة برمتها، بما يخدم مصالح تحالف عابر للأطلسي، ولكنه في الوقت نفسه يعيد تشكيل هياكل الهيمنة المالية و الاقتصادية العالمية لصالح الدولار الذي بدء بالانهيار. لفهم ما يحدث، يجب علينا تفكيك هذه الأبعاد الثلاثة المترابطة.


أولاً: البعد الجيوسياسي – إعادة تشكيل الشرق الأوسط


الضربات العسكرية كسرت ما كان يعرف بـ "محور المقاومة". حزب الله تراجع، حماس شُلت، وسوريا خرجت من المعادلة. إيران نفسها أصبحت مهددة بالانهيار الداخلي .


لكن الدول العربية و السنية (السعودية، مصر، تركيا، قطر) لم تفرح بهذا الانتصار. بالعكس، سارعت إلى تشكيل "محور جديد" مع إيران (العدو اللدود) لمنع إسقاط النظام الإيراني.

لماذا؟ لأن هذه الدول ترى أن القضاء على إيران سيخلق "إيراناً جديدة" موالية لأميركا وإسرائيل، الأمر الذي سيجعل إسرائيل القوة المهيمنة الوحيدة في المنطقة. هذا السيناريو يعني أن الرياض وأنقرة و القاهرة ستصبحان اكثر تبعية في نظام إقليمي جديد بقيادة إسرائيلية-أميركية. لذلك، فإن التنسيق السني-الشيعي الحالي ليس حباً في ولاية الفقيه، بل خوفاً من مهانة الهيمنة الإسرائيلية/الصهيونية المطلقة على المشرق العربي.


ثانياً: البعد الأيديولوجي – الصهيونية المسيحية و اليهودية ودافع "نهاية التاريخ"


لا يمكن فهم التصعيد الحالي بمعزل عن التيار الأيديولوجي العميق الذي يحرك جزءاً كبيراً من النخبة الحاكمة في إسرائيل (الكيان الغربي الارهابي المحتل لفلسطين) وحلفائها الإنجيليين في الولايات المتحدة (تيار بروتستانتي إنجيلي يؤمن بلاهوت نهاية التاريخ و عودة المسيح و سيطرة المسيحيين)

يتبنى رؤية تقوم على أسس عدة :


1. تفسير حرفي للنبوءات: يعتقد أتباعه أن عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولة إسرائيل هي تحقيق لنبوءات توراتية، تمهيداً للمجيء الثاني للمسيح.

2. هيكل سليمان: يرى هؤلاء أن بناء الهيكل الثالث عبر تدمير المسجد الأقصى ضرورة مطلقة لبدء "نهاية التاريخ".

3. معركة هرمجدون: يعتقدون أن المعركة النهائية (هرمجدون) يجب أن تندلع بين قوى الخير (إسرائيل وحلفائها) وقوى الشر (أمم أخرى)، ليتمكن المسيح من العودة.


هذا الاعتقاد يخلق مصلحة دينية-سياسية لدى ملايين الإنجيليين في الولايات المتحدة لدعم إسرائيل دون قيد أو شرط، ودفعها نحو المواجهة مع جيرانها المسلمين (سنة و شيعة) و يرون في تدمير القدرات العسكرية للدول الواقعة بين النيل والفرات خطوة ضرورية لتمهيد الطريق لملكوت المسيح. في المقابل، لدى التيارات الصهيونية اليهودية المتطرفة رؤيتها الخاصة، حيث و باتت هي التيار المتحكم في المشهد السياسي في كيان الاحتلال المدعو "اسرائيل" و يعتقدون أن على اليهود أخذ زمام المبادرة و الدخول في حرب واسعة لتحقيق الخلاص و الهيمنة اليهودية حتى لو أدى ذلك إلى صراع عالمي .


المفارقة اللاهوتية الكبرى تكمن في أن المسيحيين الإنجيليين يعتقدون أن اليهود سيعودون إلى أرض الميعاد ويبنون الهيكل، ولكن بعد مجيء المسيح، سيتحول اليهود إلى المسيحية أو سيهلكون في الحرب النهائية. بالمقابل، يعرف اليهود هذه العقيدة المسيحية، و يعتقدون ان اليهود هم من سيهيمنون على المسيحيين و بقية الشعوب، ما يخلق علاقة قائمة على "تحالف مؤقت" بين من يخطط لاستخدام الآخر ثم التخلص منه. هذه العقدة اللاهوتية تصنع حالة استعجال خطيرة في صنع القرار، وتجعل من المنطقة مسرحاً لتحقيق "نبوءات" بدلاً من تحقيق مصالح جيوسياسية عقلانية.


ثالثاً: البعد الاقتصادي – الاستماتة في محاولة التحكم بالاقتصاد العالمي عبر المنظومة الربوية المالية العالمية (المملوكة لجهات خاصة) و المحافظة على هيمنة البترودولار


تحت الغطاء الأيديولوجي، هناك بنية اقتصادية عميقة هي المحرك الاقتصادي الفعلي للصراع. نظام الرأسمالية المالية العالمية، والذي يمكن وصفه بـ "اقتصاد الربا - الاقتصاد الرأسمالي اللا اخلاقي"، يعيد إنتاج نفسه وفق آليات استغلالية. النظام المالي العالمي تحول إلى نسخة معاصرة من مرابي العصور الوسطى. البنوك المركزية الغربية مملوكة لجهات خاصة و لا تخضع لحوكمة الدول و لا لبرلماناتها. و هي من يدير البنوك العالمية الكبرى ومؤسسات الاستثمار. احدى إشكالاتها انها لم تعد تمول الإنتاج، بل المضاربات المالية و صناعة الحروب و تخلق ارباحا اكبر و توسع ثروات القلة عبر نزع ملكية الأغلبية وإغراق الشعوب و الدول في الديون .


في هذا السياق، فإن الدولار الأمريكي هو رأس حربة هذا النظام. الولايات المتحدة مدينة بأكثر من 38 تريليون دولار، وتعتمد على كون الدولار العملة الاحتياطية العالمية لتمويل عجزها. هذا "الامتياز الباهظ" يسمح لواشنطن بطباعة النقود لشراء سلع العالم، مقابل أوراق. أي تهديد لهذا الامتياز هو تهديد وجودي للاقتصاد الأمريكي و تعجيل لانهياره.


هنا يأتي دور تحالف بريكس (BRICS) والصين. سعي الصين لشراء النفط باليوان، وقيام روسيا و الهند و الصين وإيران بتطوير آليات دفع بديلة عن "سويفت"، هو إعلان حرب اقتصادية على الولايات المتحدة. واشنطن تدرك أن فقدان هيمنة الدولار و سيليه فقدان الهيمنة الاقتصادية العالمية ما سيعني :


· انهيار القدرة على تمويل العجز و تعاظم التضخم.

· ارتفاع الكلفة الربوية للاستدانة.

· تآكل القدرة على فرض عقوبات مالية فعالة و ابقاء الهيمنة العالمية.

· انهيار القدرة على شراء السلع الرخيصة من الخارج.

ما سيقود في المحصلة لانهيار اقتصاد امريكا و تحوله لاقتصاد إقليمي متوسط الحجم.


انه اقتصاد يتآكل من داخله. الربا سرطان ينهش الاقتصادات من داخلها و يحولها لكيانات مسعورة، حلقة مفرغة تبحث عن ثروات خارجية طائلة لتغطي عجزها الداخلي الذي تنهبه القلة المرابية. ولهذا، فإن السيطرة على مصادر الطاقة و المرتبطة بهيكلة المنظومة العالمية التسلطية هي معركة وجودية لتغطية هذا العجز الداخلي المستمر. السيطرة على النفط تعني تحديد العملة التي يباع بها ما يؤدي إلى التحكم باقتصادات العالم فالطاقة هي شريان الحياة للاقتصادات و النمو و الازدهار. استيلاء الولايات المتحدة الفعلي على النفط الفنزويلي كان المقدمة. الضربة على إيران هي المسرحية الكبرى. السيطرة على إيران تعني سحب أكبر مصدر نفطي مستقل من تحت أقدام الصين، وإجبار بكين على شراء الطاقة بالدولار، وبالتالي إبقاء الاقتصاد الصيني تحت قبضة النظام المالي الأمريكي و ابقاء الدولار مهما و ذا قيمة لأطول فترة ممكنة.


هذه البنية الاقتصادية الربوية السرطانية تخلق "مافيا عالمية" من نخبة صغيرة تفرغ ديموقراطية الغرب من محتواها و تتحكم في القرار السياسي والعسكري الدولي، وتدفع الشعوب و الدول نحو الحروب المربحة لها و تخضع ثروات الشعوب للنهب وتعيد هيكلة الديون لمصلحة الدائنين الكبار. دائرة مفرغة من اختلاق الصراعات و النهب و القتل.


رابعاً: السيناريوهات المستقبلية


السيناريو الأول: الانتصار الأميركي-الإسرائيلي الكامل


بناءً على التحليل الشامل للأبعاد الأيديولوجية (الدينية الصهيونية)، والجيواقتصادية (صراع الدولار ونظام الربا العالمي)، والجيوسياسية (التعددية القطبية)، الثلاث السيناريوهات المحتملة هي:


السيناريو الأول: الانتصار الأميركي-الإسرائيلي الكامل (انهيار إيران)


· الرابح الأكبر: إسرائيل – هيمنة إقليمية مطلقة، وتصفية آخر قوة موازنة.

· الرابح: أميركا – تأجيل انهيار الدولار، والتحكم المهيمن باغلب انتاج النفط العالمي.

· الرابح: القلة المالية العالمية – استمرار سيطرة النظام الربوي العالمي.

الخاسر: الصين و الهند و تركيا . تشتري البترول بالدولار و باسعار اعلى. و تخضع لفترة اطول للهيمنة الاقتصادية الأمريكية . و روسيا يخسر حليفا عسكريا مهما و يزداد الحصار الاقتصادي عليها و يفقد منفذا بحريا مهما للخليج و المحيط الهندي.

· الخاسر الأكبر: الدول العربية – تتحول إلى "توابع مستعبدة" لإسرائيل.

· الخاسر الأكبر: محور المقاومة وإيران – تصفية كاملة.



السيناريو الثاني: التوازن متعدد الأقطاب (الأكثر ترجيحاً)


· الرابح الأكبر: الصين – تتفادى المواجهة، وتصبح الملاذ الآمن للتجارة والاستثمار.

· الرابح الأكبر: الهند – تلعب على كل الحبال: أميركا، روسيا، الصين، إسرائيل، إيران.

· الرابح : تركيا – وسيط لا يُستغنى عنه، ونفوذ متوسع في العراق وسوريا وآسيا الوسطى.

· الرابح: السعودية والخليج – تمنع الهيمنة الإيرانية والإسرائيلية معاً، و تتشكل لديهم فرصة ليصبحوا نواة لنظام عالمي جديد.

· الرابح: روسيا – تستفيد من ارتفاع النفط، وتحتفظ بنفوذها.

· الرابح: إسرائيل – تبقى الأقوى عسكرياً، لكن دون هيمنة كاملة. و القلة المالية العالمية.

· الخاسر: أميركا – تخسر المعركة الاقتصادية والدولار يتراجع.

· الخاسر الأكبر: إيران – منتكسة استراتيجياً، ضعيفة، ومحاصرة داخلياً.


السيناريو الثالث: الفخ التصعيدي (حرب عالمية طويلة غير نووية)


الرابح : القلة المالية العالمية (المرابون) – أرباح من ارتفاع النفط والصناعات العسكرية.

· الرابح: روسيا – استفادة قصوى من أسعار النفط.

الرابح: فلسطين تتحرر من الاحتلال الصهيوني الارهابي.

الخاسر: امريكا تستنزف و تفقد هيمنتها العالمية لصالح الصين و الهند و روسيا.

الصين و الهند : يخسران على المدى القريب و المتوسط و لكن يربحان على المدى الأبعد و يصعدان كقوتان عالميتان .

· الخاسر الأكبر: الدول الخليجية و الكيان الصهيوني "اسرائيل"– أرض محروقة، واقتصادات منهارة. لكن في المدى البعيد قد تستعيد دول الخليج عافيتها و تعيد بناء نفسها بصيغة تكوينية جديدة .

· الخاسر الأكبر: إيران ومحور المقاومة – دمار شامل. لكن في المدى البعيد قد تستعيد عافيتها و تعيد بناء نفسها بصيغة تكوينية جديدة .


السيناريو الرابع: الفخ التصعيدي (حرب عالمية طويلة نووية)


البشرية كلها تخسر (الإبادة الذاتية)

و يربح ابليس الرهان


الاستنتاج النهائي


السيناريو الثاني (التوازن متعدد الأقطاب) هو الأكثر ترجيحاً وفيه:


· الصين والهند وتركيا هم الرابحون الأكبر.

· الدول العربية تنجو من التبعية وتحتفظ بهامش مناورة.

· أميركا تخسر الهيمنة لكنها تحتفظ بالنفوذ.

· إسرائيل تحقق مكاسب عسكرية لكنها تفقد الحلم بالهيمنة المطلقة.

· إيران هي الخاسر الأكبر في اغلب السيناريوهات.


المنطقة العربية تبقى ساحة اللعبة و الصراع العالمي، والرهان الاقل شرا هو تحويلهم من "توابع" إلى "وسطاء" لا يمكن تجاوزهم


ان الأكثر شرا من كيان الاحتلال اسرائيل هو ما مكن وجوده. المنظومة المالية العالمية الربوية الشيطانية. على البشرية جمعاء تحريم التعامل بالربا إذا ارادت البقاء و استدامة السلام و العمران العالمي.


يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله - صدق الله العظيم