آخر تحديث :الخميس-05 مارس 2026-12:55ص

الجزيرة العربية في ميزان الردع: استراتيجية "الخنق الجغرافي" وتحديات السيادة

الأربعاء - 04 مارس 2026 - الساعة 11:20 م
محمد أحمد العولقي

بقلم: محمد أحمد العولقي
- ارشيف الكاتب


عجباً لهذا الزمن الذي تتبدل فيه الوجوه وتبقى المأساة، وعجباً لهذه الجغرافيا التي قُدّر لها أن تكون تارةً مهداً للحضارة، وتاراتٍ منصةً لإلقاء النيران خلف الحدود! نحن اليوم، وفي مطلع عامنا هذا 2026، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ لا يقبل القسمة على اثنين، ولا يجدي معه صمتُ العارفين ولا ضجيجُ الجاهلين؛ فقد خرجت الأزمة في اليمن الحزين من دائرة "الخلاف" لتُحشر قسراً في أتون "كمين جيوسياسي" كوني، رُسمت خيوطه بعناية فائقة في دهاليز الطموحات الإقليمية التوسعية.


أولاً: استراتيجية "الإنهاك" وحرق الأخضر واليابس

لقد نجحت الأجندات العابرة للبحار في جر المنطقة إلى "مستنقع الاستنزاف"، ذاك الذي لا يرحم غنياً بماله ولا فقيراً بحاله. فبينما كان الجوار يشيد ناطحات السحاب ويرسم أحلام "رؤى المستقبل"، كانت هناك أيادٍ خفية (وبعضها جليّ) تحول الجغرافيا الشمالية المتاخمة لهم إلى "مختبر حيّ" لكل ما هبّ ودبّ من أدوات الدمار رخيصة الثمن.


إنها "الواقعية المُرّة" التي تخب

رنا أن القوى المتربعة على شواهق الشمال لا تريد حكماً ولا تبحث عن "دولة"، بل هي مأمورة بإبقاء المنطقة في حالة "لا حرب ولا سلم"؛ حالةٌ تُستنزف فيها الخزائن والقلوب، ويُهدر فيها فائض القوة في ملاحقة أشباح المسيرات، ليتحول "الأمان" من هواء نتنفسه إلى سلعة باهظة الثمن، يُراد بها إعاقة مسيرة البناء والتنمية.


ثانياً: اليمن في كفة "المقايضة الإقليمية"

يا ويحنا! كيف صار اليمن مجرد صمام أمان لمشاريع لا تعرف لغتنا ولا تشبه ملامحنا؟ ففي عز الصدام بين طهران وبين سادة العالم، يُدفع بالبلاد لتدخل حلبة "الرهينة الجيوسياسية" الأبرز. إن السيطرة على باب المندب والتلويح بقطع شريان الملاحة في البحر الأحمر ليس قراراً نابعاً من مصلحة أهل الدار، بل هو "ورقة مقامرة" تُلقى على طاولة الابتزاز الدولي. الخطر اليوم يكمن في أن يصبح أمنُ مرافئنا وتدفقُ نفطنا "مرهوناً" بمزاجِ مرجعياتٍ لا ترى فينا إلا أرقاماً في معادلة "الموت لفلان والولاء لفلان".


ثالثاً: سلاح "العطش والظلام" وقهر الشعوب

ولأن الفتنة إذا أقبلت لا تُبقي ولا تذر، فقد صار بنك الأهداف يتجاوز الثكنات ليصل إلى "أوردة الحياة". إنهم يلوحون اليوم بضرب محطات التحلية ومنشآت الطاقة، وكأنهم لا يدركون أن "الماء" هو آخر ما تبقى لنا من كرامة فوق هذه الأرض.


إن التهديد القادم من المرتفعات الشمالية لا يهدف لتحقيق نصر عسكري فوق الرمال، بل يهدف لإحداث "زلزال اجتماعي"؛ فإذا ما انقطع الماء وأظلمت المدن، دخلت الشعوب في "الهرج والمرج"، وضاعت الثقة بين الحاكم والمحكوم. وهذا لعمري هو "الخراب الممنهج" الذي يُراد به كسر إرادة الشعوب وجعلها نهباً لكل طامعٍ يبيع لنا "الأمان المزيف" مقابل سيادتنا.


رابعاً: سكرة المهادنة وحتمية الردع

كفى استخفافاً بالعقول! لقد علمتنا صروف الدهر أن "الكيانات العقائدية" التي لا تستمد قرارها من تراب وطنها لا تؤمن بعهود ولا تلتزم بمواثيق. إن التفاوض معها ليس إلا "منحاً للوقت" لتعيد ترتيب أورا

قها وشحذ نصالها.


الوعي الحقيقي يتطلب منا اليقين بأن حماية المنجزات لا تُستجدى على أبواب المندوبين الأمميين، بل تُنتزع بـ "الردع الصارم" وتجفيف منابع الدعم الذي يمد هذا الوحش بالحياة. فلا مجال اليوم للمهادنة، لأن السكوت عن "الخنجر" في الخاصرة يعني انتظار طعنة الغدر في القلب.


منعطف الحقيقة:

إن القريب العاجل يضع المنطقة أمام خيارين: إما الرضوخ لابتزاز "الجغرافيا المسلحة" والقبول بالارتهان للأجندات الخارجية، أو بناء كتلة صلبة ترفض سياسة "تصدير الفوضى". اليمن في صورته الراهنة ليس مجرد جار مضطرب، بل هو الاختبار الأصعب لاستمرارية النهضة العربية؛ والنجاح في هذا الاختبار يبدأ من إدراك أن الأمن لا يُستجدى بالاتفاقات الهشة، بل يُصان بالقوة واليقظة السياسية التي لا تغفل عن مكامن الخطر خلف التلال الشمالية.