آخر تحديث :الخميس-05 مارس 2026-10:32م

زمن المظلة الأمريكية يقترب من نهايته في الشرق الأوسط

الخميس - 05 مارس 2026 - الساعة 05:54 م
م. صالح بن سعيد المرزم

بقلم: م. صالح بن سعيد المرزم
- ارشيف الكاتب


تشهد منطقة الشرق الأوسط اليوم تحولات استراتيجية عميقة قد تشكل بداية نهاية مرحلة طويلة من الاعتماد شبه الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية. فالأحداث الأخيرة والتصعيد المتبادل في المنطقة كشفا واقعًا جديدًا يتشكل بهدوء، لكنه يحمل في طياته تغييرًا كبيرًا في معادلات القوة.


الرد الإيراني الأخير لم يكن مفاجئًا لمن تابع مسار التصريحات الإيرانية خلال السنوات الماضية. فطهران أعلنت مرارًا أن أي هجوم مباشر عليها سيقابله رد يستهدف المصالح الأمريكية والقواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة. ولذلك فإن ما حدث لم يكن خروجًا عن التوقعات، بل تطبيقًا مباشرًا لقاعدة ردع أعلنتها إيران منذ سنوات.


لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في الرد الإيراني، بل في حجم القلق الذي أثارته هذه التطورات داخل المنطقة، حيث أعادت طرح سؤال حساس: إلى أي مدى يمكن الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية؟


التجربة التي مرت بها المنطقة خلال العقد الأخير، بدءًا من استهداف منشآت الطاقة في المملكة عام 2019، وصولًا إلى التطورات الحالية، كشفت أن التحالفات الدولية لا تعمل دائمًا وفق توقعات الدول الإقليمية. فالقوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها الخاصة أولًا، بينما تبقى الدول في المنطقة هي الأكثر تأثرًا بنتائج أي تصعيد.


لهذا السبب بدأت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة تبني استراتيجية جديدة تقوم على تعزيز القدرة الدفاعية الذاتية وتطوير الصناعات العسكرية المحلية، بالتوازي مع تعزيز التعاون الدفاعي بين دول الخليج. فالمرحلة القادمة لن تعتمد فقط على التحالفات التقليدية، بل على بناء منظومة ردع إقليمية قادرة على حماية الاستقرار.


هذه التحولات تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأمن الحقيقي لا يمكن استيراده، بل يجب بناؤه عبر القدرات الوطنية والشراكات الإقليمية.


وفي المقابل، فإن الحديث المتكرر عن إمكانية انهيار النظام الإيراني نتيجة الضغوط العسكرية أو الاغتيالات السياسية يبدو مبالغًا فيه. فالنظام في طهران بُني خلال عقود طويلة على مؤسسات أمنية وسياسية معقدة قادرة على الاستمرار حتى في أصعب الظروف.


كما أن اختزال الصراع في المنطقة في إطار مذهبي بين السنة والشيعة لا يعكس الواقع الحقيقي لتعقيدات المشهد السياسي والاجتماعي في الشرق الأوسط.


ما يحدث اليوم في المنطقة ليس مجرد أزمة عابرة، بل بداية مرحلة إعادة ترتيب شاملة لموازين القوى. فالدول الإقليمية تعيد تقييم علاقاتها وتحالفاتها، وتبحث عن نماذج جديدة للأمن والاستقرار.


الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة تاريخية مفصلية.

إما أن تنجح دوله في بناء منظومة ردع إقليمية مستقلة تحفظ الاستقرار،

وإما أن يبقى مسرحًا مفتوحًا لصراعات القوى الكبرى.


لكن المؤكد أن مرحلة جديدة بدأت بالفعل…

مرحلة عنوانها الأبرز: الاعتماد على الذات.