في ظل الحرب المحتدمة اليوم وتدور رحاها في الشرق الأوسط بين أمريكا واسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى ، انقسم الناس بين مؤيد لهذا الطرف أو ذاك، ولكل مبرراته التي قد تكون في الغالب نتاج تجارب مريرة ومحددات أخلاقية راسخة.
لكن في العلاقات الدولية، حين تجد دولة ما نفسها أمام عدوين في نفس الوقت، ثم تندلع الحرب بين هذين العدوين، فالميزان هنا يختلف تماما.
فعلى أي أساس تبني هذه الدولة موقفها؟
في منطق السياسة الواقعية، كما صاغه منظرون مثل هانس مورغانثو (Hans Morgenthau) وكينيث والتز (Kenneth Waltz)، لا تبنى القرارات وتتخذ المواقف استنادا للعواطف أو الأخلاق أو الرغبات، بل على قاعدة واحدة وواضحة: المصلحة الوطنية والبقاء أولا.
المدرسة الواقعية تنطلق من فكرة أن النظام الدولي فوضوي، ولا توجد فيه سلطة عليا تحمي الدول. لذلك فكل دولة مسؤولة عن أمنها، وتفكر بمنطق القوة والتوازن، وأين تكمن مصلحتها.
عندما تندلع الحرب بين عدوين، تكون هناك عدة خيارات منطقية وواقعية:
أولا: مبدأ توازن القوى
الدولة لا تريد انتصار أحد العدوين انتصارا كاسحا يجعله أقوى وأكثر قدرة على تهديدها لاحقا. وإذا رأت أن أحد الطرفين سيخرج مهيمنا، قد تميل إلى دعم الطرف الأضعف، ليس حبا به، بل لمنع اختلال التوازن.
والتاريخ مليء بالأمثلة، فقد تحالفت الولايات المتحدة الأمريكية والسوفييت ضد النازية الألمانية، رغم العداء الأيديولوجي، وسبب ذلك أن الخطر الألماني كان وقت ذاك هو الأكبر.
ثانيا: دعهم يستنزفون بعضهم
أحيانا يكون الخيار الأذكى هو عدم التدخل المباشر. ولكن ترك الطرفين يستنزفان قدراتهما حتى يضعفا معا، وهو ما سيمنح الدولة فرصة لإعادة ترتيب أوراقها أو التدخل في التوقيت المناسب.
ثالثا: الانحياز التكتيكي المحدود
قد تدعم الدولة أحد الأطراف دعما سريا أو محدودا، بهدف إطالة أمد الصراع للحيلولة دون تمكين أي طرف من الحسم الكامل. فالهدف ليس انتصار أحدهما، بل منع ظهور خصم أقوى.
بمعنى آخر ، الواقعية لا يعنيها من على حق؟ بل من سيخرج أقوى؟ وأي خيار يقلل المخاطر ويخدم مصلحة الدولة على المدى البعيد؟
الخلاصة في المنظور الواقعي بسيطة وواضحة:
ليس الهدف القضاء على العدوين، بل منع ولادة عدو أكبر منهما بعد انتهاء الحرب.
في السياسة لا توجد صداقة دائمة ولا عداوة مستديمة، بل مصالح وحسابات قوة، وما يحقق أمن الدول واستقرارها وبقاءها.
جمال العُجيل