آخر تحديث :السبت-07 مارس 2026-05:02ص

الجنوب.. معادلات الإقليم بين العمق السعودي وواقعية الحل مع اليمن

السبت - 07 مارس 2026 - الساعة 12:03 ص
د. أحمد الشاعر باسردة

بقلم: د. أحمد الشاعر باسردة
- ارشيف الكاتب


الجنوب، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي والاجتماعي، ظل دائمًا في قلب معادلات الإقليم. فهذه الجغرافيا التي تمتد على واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم، لم تكن مجرد مساحة أرض، بل فضاء تتقاطع فيه المصالح والرهانات، وتتشكل فيه معادلات الأمن والاستقرار. ومن هنا فإن الحديث عن الجنوب لا يمكن فصله عن محيطه الإقليمي، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية التي تمثل، بحكم الجغرافيا واللغة والدين والتاريخ المشترك، عمقًا استراتيجيًا طبيعيًا لا يمكن القفز عليه أو تجاهله.


إن العلاقة بين الجنوب والسعودية ليست علاقة ظرفية أو تكتيكية، بل هي علاقة لها جذور عميقة في التاريخ والهوية والمصالح المشتركة. فالجنوب يدرك أن استقرار الجزيرة العربية وترابطها الأمني والسياسي يمثل مصلحة متبادلة، كما أن السعودية، بوصفها الشقيق الأكبر في الإقليم، تدرك أن أمنها الاستراتيجي يرتبط إلى حد كبير باستقرار جوارها الجنوبي. ومن هذا المنطلق فإن الحديث عن مستقبل الجنوب لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مشروعًا في مواجهة أحد، بل مشروعًا يسعى إلى بناء حالة سياسية مستقرة تتقاطع مع مصالح الإقليم ولا تتصادم معها.


وفي هذا السياق، فإن مطالب الجنوب لم تعد مجرد شعارات أو مواقف عاطفية عابرة، بل تحولت إلى قضية سياسية واسعة الامتداد، تتجذر يومًا بعد يوم في الوعي الشعبي وفي الواقع السياسي. وهذه المطالب، مهما حاول البعض التقليل من شأنها أو تجاهلها، أصبحت اليوم حقيقة قائمة لا يمكن تجاوزها. ومن هنا فإن الحكمة السياسية تقتضي النظر إلى هذه المطالب بعمق ومسؤولية، لا بوصفها أزمة عابرة يمكن احتواؤها مؤقتًا، بل بوصفها قضية تحتاج إلى مقاربة واقعية تعترف بالتحولات التي حدثت خلال العقود الماضية.


لقد خاض الجنوب تجربة الوحدة مع اليمن وهو يحمل آمالًا كبيرة في بناء دولة مشتركة تقوم على الشراكة والعدالة والمواطنة المتساوية. غير أن مسار هذه التجربة سرعان ما انحرف عن أهدافه المعلنة، وتحولت الوحدة من مشروع وطني جامع إلى إطار اختل فيه التوازن السياسي والاقتصادي، الأمر الذي ولّد شعورًا متزايدًا بالغبن والتهميش لدى قطاع واسع من أبناء الجنوب. ومع مرور السنوات تراكمت الأزمات وتعقدت المشكلات حتى وصلت هذه التجربة إلى حالة من الانسداد السياسي الذي جعل استمرارها بالشكل القائم أمرًا فاقدًا لأي معنى عملي.


إن الاعتراف بفشل تجربة ما لا يعني بالضرورة السقوط في دوامة العداء أو الصراع، بل قد يكون في كثير من الأحيان خطوة أولى نحو البحث عن حلول أكثر واقعية وعدلًا. فالعلاقات بين الشعوب لا ينبغي أن تُبنى على الإكراه أو على محاولات فرض واقع لم يعد قابلًا للاستمرار، بل على التفاهم المتبادل والاعتراف بالحقوق والمصالح. ومن هذا المنطلق فإن معالجة القضية الجنوبية لا يمكن أن تتم عبر تجاهلها أو التقليل من أهميتها، بل عبر مقاربة جادة تعترف بأن الأوضاع التي نشأت بعد الوحدة لم تعد قادرة على الاستمرار دون إعادة نظر شاملة.


إن الجنوب اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تستمر حالة المراوحة السياسية التي أثبتت السنوات الماضية عجزها عن إنتاج حلول حقيقية، وإما أن يتم الانتقال إلى مرحلة جديدة من التفكير السياسي تقوم على الواقعية والجرأة في مواجهة الحقائق. وهذه المرحلة تتطلب من الجميع، داخل اليمن وخارجه، الابتعاد عن منطق الشعارات الجامدة أو الحسابات الضيقة، والبحث بدلًا من ذلك عن حلول تضمن الاستقرار وتحفظ كرامة الشعوب وحقوقها.


وفي هذا الإطار فإن السعودية، بما لها من مكانة وثقل في الإقليم، تمتلك القدرة على لعب دور مهم في دعم مقاربة عقلانية ومتوازنة لهذه القضية. فالمطلوب ليس الانحياز لطرف ضد آخر، بل المساهمة في خلق بيئة سياسية تسمح ببلورة حلول واقعية تحترم إرادة الشعوب وتحافظ في الوقت نفسه على استقرار المنطقة. إن الاستماع بجدية إلى مطالب الجنوب، وفهم الخلفيات التي تقف وراءها، يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء تفاهمات جديدة تقوم على المصالح المشتركة لا على تجاهل الوقائع.


إن الجنوب، من جانبه، لا يرى في السعودية إلا شقيقًا أكبر وعمقًا استراتيجيًا، وهو يدرك أن احترام مصالح المملكة وأمنها الإقليمي يمثل جزءًا من مسؤولية أي مشروع سياسي مستقبلي في هذه المنطقة. فالعلاقة بين الطرفين ليست علاقة مصلحة مؤقتة، بل علاقة مصير مشترك تفرضها الجغرافيا والتاريخ والتحديات التي تواجه المنطقة بأسرها.


غير أن احترام هذه المصالح لا يعني التخلي عن الحقوق أو القبول باستمرار أوضاع ثبت فشلها. فالقضية الجنوبية لم تعد مجرد مطلب سياسي محدود، بل تحولت إلى قضية كرامة وهوية ومستقبل. وأي محاولة لتجاهل هذا البعد أو التقليل من أهميته لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمات بدلًا من حلها. ولذلك فإن التعامل الواقعي مع هذه القضية يقتضي الاعتراف بأن الجنوب لم يعد قادرًا على البقاء رهينة لوحدة فقدت مضمونها العملي والسياسي.


إن الحلول الجذرية لا تعني بالضرورة القطيعة أو الصدام، بل قد تعني ببساطة إعادة صياغة العلاقة بين اليمن والجنوب على أسس جديدة أكثر توازنًا وعدلًا. فالمبدأ الذي ينبغي أن يحكم هذه العلاقة هو مبدأ “لا ضرر ولا ضرار”، أي البحث عن صيغة تحترم إرادة كل طرف وتمنع في الوقت نفسه استمرار النزاعات التي أنهكت الجميع وأضرت بمستقبل المنطقة.


لقد أثبتت التجارب في العالم أن التمسك بالهياكل السياسية التي فقدت قدرتها على الحياة لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمات. أما الشجاعة الحقيقية فتتمثل في القدرة على الاعتراف بالواقع والسعي إلى بناء ترتيبات جديدة أكثر استقرارًا وعدلًا. ومن هذا المنطلق فإن القضية الجنوبية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تهديدًا لوحدة المنطقة أو استقرارها، بل فرصة لإعادة التفكير في شكل العلاقات السياسية بطريقة أكثر عقلانية وواقعية.


وفي نهاية المطاف فإن مستقبل المنطقة لن يُبنى بعقلية الإقصاء أو بمنطق “أنا والآخر في داهية”. فهذه العقلية لم تنتج عبر التاريخ إلا مزيدًا من الانقسام والضعف. أما الطريق الحقيقي نحو الاستقرار فيمر عبر الحوار الصريح، والاعتراف المتبادل بالحقوق، والبحث عن حلول توازن بين المصالح المختلفة. والجنوب، وهو يطرح قضيته اليوم، لا يسعى إلى هدم أحد أو إضعاف أحد، بل يسعى إلى بناء مستقبل يضمن الكرامة والاستقرار لأبنائه، ويسهم في الوقت نفسه في تعزيز أمن واستقرار محيطه الإقليمي في ظل توقعاتنا برسم خرائط غير مريحة في المنطقة..