آخر تحديث :الأحد-08 مارس 2026-01:25ص

حين تتكلم التفاصيل… قراءة في دراما كان ياما كان

السبت - 07 مارس 2026 - الساعة 04:18 ص
د. رشا الفقيه

بقلم: د. رشا الفقيه
- ارشيف الكاتب


د. رشا الفقيه


في الأيام القليلة الماضية تابعت المسلسل المصري الرمضاني “كان ياما كان”، ومن خلال هذه المتابعة يمكنني القول بثقة إن هذا العمل يتصدر المشهد الدرامي هذا الموسم. فقد جاء بنص متماسك البناء، مكتمل العناصر، ومبهر النهاية، مبتعداً عن النمط التقليدي الذي يقوم على المثاليات المفرطة أو البطولات المطلقة.

ما يميز هذا العمل أنه لم يعتمد على الصراخ الدرامي أو الأحداث الصادمة فحسب، بل اختار طريقاً أكثر عمقاً وإنسانية، حيث سلّط الضوء على التفاصيل الصغيرة داخل العلاقات الإنسانية. تلك التفاصيل التي غالباً ما تمر دون أن ينتبه لها المحيطون، بينما يسارعون في المقابل إلى إطلاق الأحكام، وتحديد من أخطأ بحق من، ومن ظلم من، دون أن يدركوا أن الحقيقة قد تكون مختلفة تماماً عما يبدو على السطح.

لقد نجح المسلسل في إيصال رسالة واضحة مفادها أن البيوت أسرار، وأن ما نراه من الخارج ليس بالضرورة الصورة الكاملة. فالحياة الإنسانية أعقد من أن تُختزل في رواية واحدة أو حكم سريع، ولذلك فإن التسرع في إصدار الأحكام قد يكون ظلماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من سوء الفهم.

أما النهاية فقد جاءت مفاجئة وذكية في الوقت ذاته. فقد انشغل كثير من المتابعين بالسؤال التقليدي: هل ستختار فرح أمها أم أباها؟ غير أن الكاتبة بدت أكثر اهتماماً بتعزيز فكرة أعمق من مجرد الاختيار نفسه، وهي أن الأبناء في مثل هذه الصراعات هم الضحية في كل الأحوال؛ فهم من يتحملون تبعات قرارات الكبار وأهوائهم، بغض النظر عن الخيار الذي قد يجدون أنفسهم مضطرين لاتخاذه.

وفي خط درامي آخر، قدمت شخصية مي أخت داليا وخطيبها طرحاً اجتماعيًا مهماً للغاية، خصوصاً في ظل ما يعيشه مجتمعنا اليوم من ضغوط اجتماعية متعلقة بالزواج. فكثير من الفتيات قد يشعرن بالقلق من فكرة ما يُسمّى في المجتمع بـ“العنوسة”. ولا أنكر أن هذا الشعور موجود بالفعل لدى البعض نتيجة ضغط المجتمع وتوقعاته، غير أنني أفضل استبدال هذا اللفظ بعبارة أكثر واقعية وتهذيباً، وهي “تأخر النصيب لحكمة”.

فالحياة ليست سباقاً زمنياً، والنصيب لا يُقاس بالأعمار ولا بتوقعات الآخرين. غير أن المشكلة الحقيقية تظهر حين يتحول هذا القلق إلى ضغط نفسي واجتماعي كبير، الأمر الذي قد يدفع بعض الفتيات إلى الوقوع في فخ الاستغلال من قبل ضعاف النفوس ممن يحملون صفة الذكورة دون أن يمتلكوا معنى الرجولة ، الذين يستثمرون هذا الخوف لتحقيق مصالحهم الخاصة.

ومن هنا تأتي أهمية الرسالة التي يقدمها العمل:

إن الزواج ليس سباقاً مع الزمن، بل اختيار مصيري لحياة كاملة، وإن الحفاظ على الكرامة والوعي أهم بكثير من الرضوخ لضغط المجتمع أوه الخوف من كلام الناس.

في النهاية، لا يقدم مسلسل “كان ياما كان” مجرد حكاية درامية، بل يفتح بابًا للتأمل في كثير من القضايا الإنسانية والاجتماعية التي نعيشها يومياً. إنه يذكّرنا بأن الحقيقة ليست دائماً كما تبدو، وأن الأحكام السريعة قد تكون أكثر ظلماً من الخطأ نفسه، وأن الأبناء – في كثير من الأحيان – يدفعون ثمن صراعات لم يكونوا طرفاً فيها.

ولهذا ربما يمكن القول إن قيمة هذا العمل لا تكمن فقط في قصته أو أحداثه، بل في الأسئلة التي يتركها في ذهن المشاهد بعد انتهاء الحلقة الأخيرة.