آخر تحديث :الثلاثاء-10 مارس 2026-10:58م

الحرب وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

الثلاثاء - 10 مارس 2026 - الساعة 04:20 م
فرهاد علاء الدين

بقلم: فرهاد علاء الدين
- ارشيف الكاتب


نادراً ما تندلع الحروب الكبرى بسبب حادثة واحدة أو قرار مفاجئ. فغالباً ما تكون نتيجة تراكمات استراتيجية تصل في لحظة معينة إلى نقطة يصبح فيها الصراع أكثر احتمالاً من استمرار الوضع القائم. لذلك فإنَّ السؤال الأهم ليس فقط لماذا اندلعت الحرب؟ بل لماذا اندلعت في هذا التوقيت تحديداً؟ وما الذي تسعى القوى الكبرى إلى تحقيقه من خلالها؟

التفسير الأكثر شيوعاً يربط الحرب مباشرة بإيران: برنامجها النووي، وقدراتها الصاروخية، ونفوذها الإقليمي. لكن الصورة الكاملة تبدو أقرب إلى محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، حيث تمثل إيران الهدف المباشر، لكنها ليست الهدف الوحيد.

أول هذه الأبعاد يتعلق بإسرائيل. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية تنظر إسرائيل إلى إيران بصفتها التهديد الاستراتيجي الأكبر لأمنها القومي. فإيران ليست مجرد دولة معادية، بل دولة تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية وسكانية كبيرة، قادرة على تطوير برامج عسكرية متقدمة، وبناء شبكة نفوذ إقليمي تمتد عبر دول عدة. من هذا المنظور، لا يكفي بالنسبة لإسرائيل تقليص قدرات إيران العسكرية مؤقتاً، بل الهدف الأعمق يتمثل في إنهاء قدرة إيران على العودة بصفتها قوة إقليمية مهدِّدة في المستقبل. ولهذا يظهر في بعض التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي تصور يتجاوز مجرد ضرب البرنامج النووي أو الصاروخي، ليصل إلى إضعاف الدولة الإيرانية نفسها أو تغيير طبيعة النظام الذي يحكمها.

البعد الثاني يتعلق بإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط. منذ سقوط العراق عام 2003 تشكل نظام إقليمي جديد يقوم على توازن هش بين قوى رئيسية عدة: إيران، وتركيا، وإسرائيل، ودول الخليج. هذا التوازن سمح لإيران بتوسيع نفوذها في ساحات إقليمية، الأمر الذي جعلها لاعباً رئيسياً في معادلات المنطقة. الحرب الحالية قد تكون محاولة لإعادة رسم هذا التوازن بحيث تخرج إيران ضعيفة أو منهكة، ما يفتح المجال أمام نظام إقليمي جديد تتصدره إسرائيل اقتصادياً وعسكرياً، مع دور أكبر لبعض القوى الإقليمية الأخرى.

أما البعد الثالث فيتعلق بالطاقة والجغرافيا الاستراتيجية. منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز يمثلان أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وجود إيران بصفتها قوة قادرة على تهديد الملاحة أو استهداف منشآت الطاقة شكّل دائماً قلقاً استراتيجياً للولايات المتحدة وحلفائها. إضعاف إيران عسكرياً قد يؤدي عملياً إلى تأمين تدفق الطاقة العالمية تحت مظلة أمنية تقودها الولايات المتحدة، وهو ما يعزز قدرة واشنطن على التحكم في أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي.

البُعد الرابع يرتبط بالتنافس الدولي بين القوى الكبرى. خلال السنوات الأخيرة عزَّزت إيران علاقاتها مع كل من روسيا والصين، سواء في المجال العسكري أو الاقتصادي. هذا التقارب كان يُنظر إليه في بعض الدوائر الغربية بوصفه جزءاً من محور أوسع يسعى إلى تقليص النفوذ الغربي في الشرق الأوسط. من هذا المنظور، فإنَّ إضعاف إيران لا يقتصر على تغيير ميزان القوى الإقليمي، بل قد يؤدي أيضاً إلى تقليص مساحة النفوذ الروسي والصيني في المنطقة.

وأخيراً، هناك بُعد يتعلق بالهيمنة العسكرية. رغم الحديث المتكرر عن رغبة الولايات المتحدة في تقليص وجودها العسكري في الشرق الأوسط، فإنَّ المنطقة لا تزال تمثل عقدة استراتيجية في النظام الدولي. فهي نقطة التقاء طرق التجارة والطاقة والممرات البحرية. لذلك فإنَّ واشنطن تعيد النظر في هذا التقليص، ليس فقط لضبط توازنات الشرق الأوسط، بل أيضاً لإرسال رسالة ردع أوسع في النظام الدولي.

في ضوء هذه العوامل، يمكن فهم الحرب الحالية بصفتها أكثر من مجرد مواجهة مع إيران. فهي قد تمثل لحظة إعادة تشكيل للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فإذا خرجت إيران من هذه الحرب ضعيفة أو منهكة، فإنَّ خريطة النفوذ في المنطقة قد تتغير بصورة عميقة، وقد يظهر نظام إقليمي جديد يختلف كثيراً عن النظام الذي تشكل خلال العقدين الماضيين.

لكن مثل هذه التحولات الكبرى نادراً ما تحدث دون تكلفة. فإضعاف قوة إقليمية بحجم إيران قد يخلق أيضاً فراغات سياسية وأمنية قد تمتد آثارها إلى دول عدة في المنطقة. لذلك فإنَّ النتائج النهائية للحرب لن تتوقف فقط على ما يحدث في ساحات القتال، بل أيضاً على كيفية إدارة المرحلة التي ستليها.

بالنسبة للعراق، فإنَّ هذه التحولات تُمثل في الوقت نفسه تحدياً وفرصة. فالعراق يقع في قلب النظام الإقليمي الذي قد يعاد تشكيله، وهو بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته السياسية والاقتصادية مع إيران ودول الخليج والولايات المتحدة، سيكون من أكثر الدول تأثراً بنتائج هذه الحرب. في مثل هذه اللحظات التاريخية، يصبح من الضروري أن تتبنى السياسة الخارجية العراقية مقاربة واقعية تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية: أولها تحييد العراق عن الصراعات الإقليمية، ومنع استخدام أراضيه ساحة مواجهة بين القوى المتنافسة. وثانيها الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، بما يسمح لبغداد بالتحرك كأنها جسر للتواصل، بدلاً من أن تكون ساحة صراع. أما المبدأ الثالث فيتمثل في استثمار التحولات الإقليمية لتعزيز دور العراق بوصفه دولة توازن في المنطقة، قادرة على لعب دور سياسي واقتصادي أكبر في النظام الإقليمي الجديد.

في النهاية، قد لا تكون هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل خطوة في مسار أطول لإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط. والسؤال الحقيقي الذي سيحدد مستقبل المنطقة ليس فقط من سينتصر في الحرب، بل كيف سيبدو الشرق الأوسط بعد انتهائها؟ وما إذا كانت دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق، قادرة على التكيف مع النظام الإقليمي الذي يولد من رحم هذه الحرب؟