منذ عقود طويلة، يتصدر المشهد في الجنوب من يسمّون أنفسهم نخبة أو مثقفين أو ممثلين للشعب الجنوبي. يتحدثون باسمه، وينصّبون أنفسهم أوصياء على قضيته ومستقبله، وكأنهم حراس التاريخ وحملة الحقيقة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من صنع المأساة التي يعيشها الجنوب اليوم؟ ومن قاد هذا الشعب من أزمة إلى أخرى طوال ستة عقود؟
الحقيقة التي يحاول كثيرون الهروب منها هي أن جزءاً كبيراً ممن يقدّمون أنفسهم اليوم كـ“نخبة جنوبية” هم أنفسهم الذين كانوا في قلب المراحل التي صنعت المأساة. فمنذ عام 1967، عندما تسلمت الجبهة القومية السلطة بعد الاستقلال، بدأ مسار طويل من الإقصاء والصراع الداخلي. لم يكن ذلك صراعاً سياسياً صحياً بين رؤى مختلفة لبناء الدولة، بل كان صراعاً على السلطة انتهى بإقصاء القوميين العرب ثم انتقال الحكم إلى جناح اليسار الراديكالي بين عامي 1969 و1990.
وخلال تلك المرحلة، لم يكن الخلاف الفكري هو ما يحكم المشهد بقدر ما كانت تحكمه عقلية الإقصاء والتصفية. فقد شهد الجنوب سنوات طويلة من الاغتيالات السياسية، والإخفاء القسري، وتصفية الخصوم، ليس فقط من التيارات المخالفة، بل حتى من داخل المعسكر نفسه. سقط كثير من أبناء الجنوب، من النخب السياسية والاجتماعية والمناضلين، ضحايا لصراعات السلطة التي لم ترحم أحداً.
لم يتوقف الأمر عند تصفية الخصوم من اليمين أو القوى التقليدية، بل امتد ليأكل أبناء التيار الواحد. فبعد أن انتهى كثير من خصومهم، عاد الصراع بينهم أنفسهم. أُقصي سالمين، وقُتل، وأُقصي مطيع، واغتيل، وتواصلت سلسلة الصراعات حتى وصلت إلى واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخ الجنوب: أحداث 13 يناير 1986، تلك اللحظة التي التهمت فيها النار أصحابها، عندما لم تعد تجد من تأكله خارج الدائرة.
لقد كانت تلك الأحداث ذروة مأساة سياسية صنعها من حكموا باسم الثورة، لكنها لم تكن النهاية. فبعد سنوات قليلة فقط، جاءت محطة أخرى من أخطر المحطات في تاريخ الجنوب: ما سُمّي بالوحدة عام 1990. لم تكن تلك الوحدة ثمرة حوار وطني عميق أو رؤية استراتيجية تحفظ حقوق الناس ومستقبلهم، بل كانت ـ في نظر كثيرين ـ صفقة سياسية متسرعة دفعت ثمنها الأرض والإنسان معاً.
هكذا انتقل الجنوب من صراعات اليسار والأممية الاشتراكية إلى واقع جديد لم يكن أقل مأساوية. فقد وجد الشعب نفسه مرة أخرى ضحية قرارات اتخذتها نفس النخبة التي كانت تدير المشهد طوال العقود السابقة. ومع مرور الزمن، تغيّرت الشعارات، لكن الوجوه بقيت ذاتها، والعقلية بقيت ذاتها.
المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هؤلاء الذين كانوا جزءاً من تلك المراحل ما زالوا اليوم يتحدثون باسم الجنوب وباسم الدولة التي كانوا جزءاً من تدميرها. يتحدثون عن الدولة وهم الذين حوّلوا الدولة في مراحل كثيرة إلى أداة للصراع والتصفية. ويتحدثون عن الشعب وكأنهم لم يكونوا طرفاً أساسياً في المآسي التي عاشها.
بل إن الأمر لا يقف عند حدود الحديث عن الماضي، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة احتكار الحاضر والمستقبل أيضاً. ففي كل حديث عن الحوار الجنوبي أو مستقبل الجنوب، يعود المشهد ذاته: نفس النخبة تحاول أن تحدد من هو الجنوبي، ومن يحق له أن يتحدث، ومن يجب أن يشارك في الحوار ومن يجب أن يُقصى.
وكأن مأساة الجنوب لم تكن كافية.
إن ما يطرحه هذا الحديث ليس محاولة لفتح جراح الماضي من أجل الانتقام، بل هو محاولة لفهم الحقيقة التي عاشها الناس طوال ستين عاماً. فالشعوب لا يمكن أن تبني مستقبلها إذا ظلت نفس القوى التي صنعت الأزمات تتصدر المشهد دون مراجعة أو محاسبة أو حتى اعتراف بالأخطاء.
لقد عاش الجنوب عقوداً طويلة بين شعارات كبيرة: الثورة، الاشتراكية، الوحدة، ثم شعارات جديدة بأسماء مختلفة. لكن بين كل تلك الشعارات كان الشعب هو الذي يدفع الثمن دائماً: دماً، واستقراراً، ومستقبلاً.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو سؤال بسيط لكنه عميق:
هل يمكن لشعب أن يخرج من مأساته إذا ظل الذين صنعوا تلك المأساة هم أنفسهم من يحددون طريقه إلى المستقبل؟
إنها ليست قصة تاريخ فقط، بل قصة ستين عاماً عاشها الناس بكل تفاصيلها. قصة نخبة تحولت، في نظر كثيرين، من مشروع قيادة إلى سبب من أسباب الكارثة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن تستمر الحلقة نفسها: نفس الوجوه، نفس العقلية، ونفس الطريقة في إدارة مصير الناس.
فالشعوب قد تصبر طويلاً على الألم، لكنها في النهاية لا تستطيع أن تبني مستقبلها إذا ظل قتلة الدولة هم أنفسهم من يتحدثون باسمها.