آخر تحديث :الثلاثاء-21 أبريل 2026-10:42م

اليمن بعد إقالة الزبيدي وتشكيل حكومة جديدة هل تتغير المعادلة أم يستمر الجمود؟

الجمعة - 13 مارس 2026 - الساعة 06:05 م
عارف ناجي علي

بقلم: عارف ناجي علي
- ارشيف الكاتب


في كل مرة يشهد فيها المشهد السياسي اليمني تغييرا في بعض المواقع أو القيادات يتجدد الأمل لدى المواطنين بأن يكون ذلك بداية لتحسن في الأوضاع المعيشية والخدمية غير أن التجربة خلال السنوات الماضية أثبتت أن تغيير الوجوه وحده لا يكفي وأن المشكلة في اليمن أعمق بكثير من مجرد تبديل أشخاص أو إعادة توزيع مناصب.

اليوم وبعد التغييرات التي شهدها المشهد السياسي مؤخرا يقف المواطن اليمني أمام سؤال بسيط لكنه بالغ الدلالة ماذا تغير في حياته؟


الواقع يقول إن الإجابة حتى الآن تكاد تكون لا جديد فالأسعار ما تزال مرتفعة بشكل غير مسبوق رغم الحديث المتكرر عن استقرار نسبي في سعر العملة والأسواق لا تعكس هذا الاستقرار المعلن إذ ما تزال السلع تباع وفق أسعار تعود إلى فترات انهيار العملة السابقة دون أن يطرأ أي تحسن حقيقي على القدرة الشرائية للمواطن.


أما الرواتب فهي ما تزال عند مستويات متدنية لا تتناسب إطلاقا مع الارتفاع المستمر في تكاليف الحياة ، موظفون يعملون منذ سنوات طويلة لكن دخولهم لم تعد تكفي لتغطية الحد الأدنى من احتياجات أسرهم وهنا تكمن المفارقة المؤلمة دولة تعلن عن استقرار اقتصادي نسبي بينما يعيش مواطنوها تحت ضغط معيشة خانق.


الأزمة في جوهرها ليست اقتصادية فقط بل هي أزمة إدارة دولة فالمؤسسات الحكومية تعاني حالة واضحة من الترهل والشلل الإداري ويظهر ذلك بوضوح في العديد من القطاعات الحيوية وعلى رأسها القطاع المالي والبنك المركزي الذي يفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن الاستقرار الاقتصادي والنقدي.


لكن الواقع يشير إلى أن غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة وضعف الرقابة على الأسواق وتداخل المصالح، كلها عوامل جعلت السياسات الاقتصادية عاجزة عن معالجة جذور الأزمة ولذلك ظل المواطن يدفع ثمن الاختلالات في الإدارة الاقتصادية بينما تتفاقم معاناته اليومية.


سياسيا أثارت التغييرات الأخيرة في المشهد السياسي بما في ذلك إزاحة بعض القيادات البارزة الكثير من النقاش والتفسيرات فقد رأى البعض في تلك الخطوات محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي بينما اعتبرها آخرون جزءا من توازنات إقليمية ودولية تتحكم إلى حد كبير في مسار الأزمة اليمنية.


لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن خرج من المشهد أو بمن بقي فيه بل بمدى قدرة هذه التغييرات على إنتاج واقع سياسي وإداري مختلف وحتى الآن لا تبدو المؤشرات مشجعة.


فالحكومات المتعاقبة في اليمن غالبا ما تشكلت وفق معادلات المحاصصة السياسية أكثر مما تشكلت وفق معايير الكفاءة والقدرة على إدارة الدولة وهذا ما أدى إلى إعادة تدوير بعض الأسماء والتجارب حتى أصبح المشهد الحكومي أشبه بدائرة مغلقة تدور داخلها نفس الوجوه بينما تبقى المشكلات كما هي دون حلول جذرية.


إن الدولة لا يمكن أن تدار بهذه الطريقة إلى ما لا نهاية فالمجتمعات قد تصبر طويلًا لكنها في النهاية تصل إلى نقطة تفقد فيها الثقة في قدرة السلطة على تحسين أوضاعها.


من هنا فإن أي إصلاح حقيقي في اليمن يجب أن يبدأ بتغيير المعادلة كاملة وليس فقط تغيير بعض المواقع. فالإصلاح الحقيقي يعني إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس واضحة من الكفاءة والشفافية والمساءلة بعيدًا عن منطق المحاصصة وتدوير الفشل.


كما أن إعادة هيكلة السلطة التنفيذية بطريقة أكثر فاعلية قد تكون خطوة ضرورية لتقليل التعقيد السياسي الذي يعرقل اتخاذ القرار فالدولة التي تواجه أزمات اقتصادية وخدمية عميقة تحتاج إلى قيادة تنفيذية واضحة الصلاحيات وحكومة قادرة على العمل كفريق متكامل لا كتحالف مؤقت لمصالح سياسية.


وفي هذا السياق، يرى كثير من المراقبين أن أي إصلاح سياسي حقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود تغيير بعض القيادات أو إعادة تشكيل الحكومة فحسب بل قد يتطلب مراجعة لبنية واسعة للقيادة السياسية فالتغيير الذي حدث في المشهد مؤخرا بما في ذلك إزاحة واقالة قيادات بعض القيادات الجنوبية يفتح الباب للنقاش حول إمكانية إحداث تغيير رئاسي مواز يعيد صياغة معادلة إدارة المرحلة الانتقالية بطريقة أكثر فاعلية إذ يطرح البعض تصورا يقوم على إعادة هيكلة مجلس القيادة الرئاسي ليكون أكثر مرونة ووضوحًا في اتخاذ القرار من خلال تشكيل مجلس مصغر يتكون من رئيس ونائبين غير منتمين لاي احزاب ومكونات سياسية يمثلان الشمال والجنوب بما يعكس التوازن الوطني ويقلل من حالة التشتت في مراكز القرار .


إن مثل هذا الطرح إذا جاء ضمن رؤية سياسية متكاملة، قد يسهم في خلق بيئة أكثر قدرة على إدارة التحديات السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد كما يمكن أن يشكل خطوة تمهيدية لتهيئة المناخ لحوارات سياسية مهمة وعلى رأسها الحوار الجنوبي–الجنوبي الذي يجري الحديث عن عقده في العاصمة السعودية الرياض.


فالحوار الجنوبي–الجنوبي، إن أُدير بروح المسؤولية الوطنية وبعيدًا عن الإقصاء، يمكن أن يشكل مدخلًا مهمًا لإعادة ترتيب البيت الجنوبي وتوحيد الرؤى حول مستقبل الجنوب ودوره في أي تسوية سياسية شاملة للأزمة اليمنية.


لكن نجاح أي حوار سياسي، سواء كان جنوبيا أو وطنيا شاملا، يظل مرتبطًا بوجود إرادة حقيقية لإصلاح مؤسسات الدولة، وبتوافر قيادة سياسية قادرة على إدارة المرحلة بقدر من الحكمة والتوازن.


إن اليمن اليوم يقف أمام مفترق طرق حقيقي فالأزمات الاقتصادية والخدمية تتراكم والضغط الاجتماعي يتزايد بينما يظل الأداء الحكومي دون مستوى التحديات.


وفي مثل هذه الظروف فإن استمرار الجمود السياسي قد يقود إلى تداعيات لا يمكن السيطرة عليها. فالتاريخ يخبرنا أن الأزمات الاقتصادية الحادة، عندما تترافق مع ضعف المؤسسات وفقدان الثقة في الإدارة العامة غالبا ما تتحول إلى أزمات سياسية واجتماعية أوسع.


اليمنيون اليوم لا يبحثون عن صراعات سياسية جديدة ولا عن إعادة توزيع للمناصب بل عن دولة تعمل ، دولة توفر الحد الأدنى من الخدمات وتحمي اقتصادها وتمنح مواطنيها شعورا بأن هناك من يدير شؤونهم بجدية ومسؤولية.


وإذا لم تتحول التغييرات السياسية إلى بداية إصلاح مؤسسي حقيقي فإنها ستبقى مجرد أحداث عابرة في مشهد سياسي متكرر بينما تستمر معاناة الناس وتتعمق أزمات الدولة.


السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من يحكم اليمن بل كيف يُحكم اليمن.


وما لم يتغير هذا السؤال إلى إجابة عملية في شكل سياسات وإصلاحات حقيقية فإن كل تغيير سيظل مجرد تغيير في الواجهة بينما تبقى الأزمة كما هي

واليمن لم يعد يحتمل المزيد من الوقت الضائع.