آخر تحديث :الخميس-16 أبريل 2026-02:02ص

مرة أخرى..عدن تنادي

الأحد - 15 مارس 2026 - الساعة 02:04 ص
المحامي / جسار مكاوي

بقلم: المحامي / جسار مكاوي
- ارشيف الكاتب


ليست عدن فكرة طارئة في الجغرافيا ولا مدينة ولدت من رحم العزلة حتى تُختزل في مفهوم ضيق أو تُقرأ بسطحية عابرة. عدن مدينة تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل الإنساني و الحضاري فصارت ميناء للثقافات قبل أن تكون ميناء للسفن و فضاءً مفتوحاً للناس قبل أن تكون حدوداً على الخريطة..هذه المدينة لم تبنِ مجدها لأنها مجرد تجمع سكاني متعدد بل لأنها استطاعت أن تنشئ نموذجاً مدنياً فريداً في محيطها.. نموذجاً يقوم على فكرة المجتمع المنفتح الذي يتقاسم المكان و الفرص و المسؤوليات.. دون أن يذيب هويته أو يتخلى عن جذوره.. ولذلك فإن الحديث عن عدن لا يمكن أن يختزل في ثنائية الانفتاح و الانغلاق.. فهذه قراءة تبسيطية لا تلامس جوهر المسألة..عدن عبر تاريخها لم تكن مدينة بلا ملامح كما أنها لم تكن يوما مدينة مغلقة على أهلها.. لقد كانت مدينة ذات شخصية واضحة تشكلت من قيم المدنية و النظام و العمل و احترام القانون.. هذه القيم هي التي سمحت لها أن تستوعب الآخرين لا لأنها تذوب فيهم.. بل لأنها تمتلك القدرة على تنظيم العلاقة بين من يعيش فيها ضمن إطار يحفظ توازنها الاجتماعي و الثقافي.. ولهذا فإن جوهر المسألة ليس في أن تكون عدن مدينة مفتوحة أو مدينة منغلقة بل في أن تبقى مدينة مدنية تحفظ خصوصيتها و تدير تنوعها بوعي ومسؤولية.. فالمدن التي تفقد قدرتها على إدارة تنوعها تتحول سريعاً إلى فضاءات للفوضى والمدن التي تفقد هويتها تتحول إلى مجرد تجمعات سكانية بلا روح..إن عدن حين تنادي أبناءها لا تناديهم لكي يحتكروا المدينة بل لكي يحفظوا روحها تناديهم لكي يصونوا نموذجها المدني الذي صنعته أجيال متعاقبة ولكي يبقى هذا النموذج قادرا على استيعاب الجميع ضمن قواعد واضحة تحمي المدينة من التشوه ومن العبث الذي قد يصيب أي مجتمع حين تختل موازينه..فالمدن العظيمة لا تقوم على الشعارات..بل على التوازن الدقيق بين الهوية و الانفتاح.. بين الحق في الانتماء و الواجب في احترام المكان. وعدن بما تختزنه من تاريخ و تجربة تعرف جيداً كيف تحافظ على هذا التوازن لأنها مدينة عاشت التنوع و لم تكن يوماً أسيرة له..عدن اليوم لا تبحث عن من يعيد تعريفها فهي تعرف نفسها جيدا.. لكنها تنادي أبناءها وكل من يعيش فيها أن يدركوا أن سر جمالها لم يكن يوماً في الفوضى ولا في الذوبان بل في قدرتها على أن تكون مدينة للجميع دون أن تفقد روحها..وهكذا تبقى عدن كما كانت دائماً مدينة تنادي.. لا لتُقصي أحدا ولا لتُسلم نفسها لأحد بل لتبقى كما أرادها تاريخها.. مدينة مدنية حرة تحفظ وجهها الجميل و تصون ملامحها التي صنعتها الأيام .