آخر تحديث :الثلاثاء-17 مارس 2026-10:56م

مقال تحليلي.. إثنين سيناريوهات محتملة في المنطقة: هدنة بدون إنتصار أو حرب إقليمية وعالمية

الثلاثاء - 17 مارس 2026 - الساعة 03:01 ص
علاء الحسني

بقلم: علاء الحسني
- ارشيف الكاتب


بعد ثمانية عشر يوما من المواجهات العسكرية المفتوحة التي أحرقت سماء الشرق الأوسط, وبسبب تصاعدية التطورات الميدانية الكارثية, نستطيع القول بيقين استراتيجي إن مسرح العمليات يقف أمام مسارين محتملين لا ثالث لهما... إما هدنة باردة على الطريقة الكورية, أو انزلاق حتمي نحو جحيم عالمي شامل.....


هكذا تبدأ النهايات دائما, بخطوات ثقيلة تدوس على أعناق الدول وتترك خلفها رائحة البارود والرماد, وتذكرنا بضعف وهشاشة الحضارة حين تحتكم لغرور القوة, وكيف تكون ضريبة هذه الحماقات

في عمق هذا المشهد المعقد, هناك حقيقة قاسية..... أن الحرب الحالية لن تصل إطلاقا إلى نموذج 'الانتصار الحاسم' لا لصالح واشنطن وتل أبيب ولا لصالح طهران, بل تقدم للعالم المعاصر أصدق نموذج لنظرية الردع غير المتماثل.... حيث يثبت الطرف الأضعف عسكريا أنه لا يحتاج إلى هزيمة خصمه في الميدان كي يمنعه من تحقيق مكسب سياسي نظيف.... يكفيه فقط أن يرفع تكلفة الحرب إلى مستوى يجعل الانتصار العسكري ناقصا, والانتصار السياسي مستحيلا, والاستمرار مكلفا اقتصاديا واستراتيجيا, حيث تتحدث لغة الأرقام عن نزيف حاد خلال الثمانية عشر يوما الأولى فقط, تكبدت فيها طهران خسائر مباشرة تقدر بـ 150 إلى 200 مليار دولار نتيجة تدمير البنية التحتية النفطية والعسكرية وانهيار العملة, بينما تكلفت واشنطن بين 30 إلى 40 مليار دولار كنفقات للطلعات الجوية والذخائر الذكية, وتكبدت إسرائيل نحو 15 إلى 20 مليار دولار بسبب تكلفة الاعتراض الصاروخي وشلل قطاع التكنولوجيا واستدعاء الاحتياط.... هذا بالضبط ما تفعله طهران الان, فهي تدرك تماما عجزها عن هزيمة أعتى قوة عسكرية في التاريخ, لكنها تملك القدرة الفائقة على تخريب شروط الانتصار الأمريكي الإسرائيلي من الداخل بأن الفارق الهائل في القوة الجوية والقدرة الاستخباراتية وحجم النيران والتفوق التقني, يجعل الحديث عن نصر عسكري إيراني مباشر أقرب إلى الوهم المطلق


لقد نجحت الضربات بالفعل في اغتيال المرشد علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين, وألحقت دمارا واسعا بالبنية التحتية, بينما تؤكد تل أبيب وواشنطن أن الهدف المركزي هو تدمير البرنامجين النووي والصاروخي, وخلق الظروف المواتية لتغيير سياسي داخلي.... لكن المشكلة الاستراتيجية تكمن في أن الحروب لا تحسم فقط بحجم ما تطحنه الآلة العسكرية, بل بما تعجز عن بنائه بعد التدمير... وحتى هذه اللحظة, لا توجد دلائل مؤكدة على أن القصف الكثيف أنتج الانهيار السياسي الذي راهنت عليه تل أبيب وبعض الدوائر في واشنطن.... بل على العكس، تشير التقييمات المتداولة لدى دوائر القرار إلى أن سقوط النظام ليس حتميا, وأن الشارع لم يتحول إلى انتفاضة واسعة تحت أزيز الطائرات

أمام هذا الاستعصاء, يطل السيناريو الأول المتمثل في تدخل دول أوروبا وآسيا وروسيا للقيام بوساطة طارئة, قد تقبل بها كافة الأطراف المنهكة.... ليتم إعلان هدنة إنسانية لبضعة أيام تتوقف فيها المدافع مؤقتا, ويعلن كل طرف انتصاره المزعوم, ويستمر الحال قريبا من الحالة الكورية, بلا حرب مفتوحة ولا سلام حقيقي... يقبل الجميع بهذه التسوية لأن الكل يخسر, ولأنها تمثل فرصة أخيرة للخروج بماء وجه متبقي قبل الانهيار الشامل


أما السيناريو الثاني، والذي تدعمه معطيات الأرض وتدحرجه الأيام نحو الواقعية المطلقة, فيتمثل في توسيع مسرح العمليات ودخول الأذرع والحلفاء تهيئة لحرب عالمية ثالثة... هنا يظهر منطق الردع غير المتماثل في أبهى صوره, فإذا كان الهدف المعلن هو إزالة التهديد النووي فهذا هدف عسكري تقني معقد, لكن بمجرد إضافة هدف إسقاط النظام أو فرض استسلام غير مشروط, تبدأ الفجوة المرعبة بين القوة والنتيجة بالاتساع.... فإسقاط بنية دولة معقدة لا يتحقق تلقائيا بالقصف, ولا ينتج بالضرورة مجتمعا مواليا... إن التجربة التاريخية الأمريكية في فيتنام والعراق وافغانستان تثبت أن تدمير البنية الصلبة أسهل بكثير من بناء البنية السياسية البديلة...بناء على ذلك, تلعب طهران بورقتها الأهم وهي استراتيجية الحرمان, أي حرمان الخصم من لحظة إعلان النصر, وحرمانه من الاستقرار بعد الضربة, وحرمانه من سوق طاقة هادئ ورواية تقول إن الحرب كانت قصيرة ونظيفة


لقد بدأت هذه الحرب بملامح واضحة, عبر قصف أمريكي إسرائيلي مركز دك القيادات والمواقع, وردت طهران باستهداف القواعد والمصالح.... ثم تصاعدت الوتيرة لتطال عواصم الخليج والعراق وتدمر منشآت حيوية, لتدخل الأذرع في العراق وحزب الله على خط النار, وتكثف واشنطن القصف ليصبح لبنان والعراق في قلب المعركة رسميا

وأحدث الهجمات على الشحن البحري والبنية النفطية في الخليج, واستهداف سفن قرب دبي والبحرين والسعودية والعراق والكويت, تكشف أن طهران تتصرف بمنطق مرعب مفاده... إذا كنتم تملكون السيطرة المطلقة على السماء, فأنا أملك القدرة على تسميم البحر والسوق...


النتيجة لم تتأخر، فقد قفز النفط فوق مائة دولار, واضطربت الأسواق العالمية, لتبتخر ما بين 3 إلى 4 تريليونات دولار من قيمة أسواق الأسهم العالمية في أقل من ثلاثة أسابيع, كما تكبدت دول الخليج والعراق خسائر قاسية بلغت 100 إلى 120 مليار دولار جراء توقف الملاحة الجوية وشلل الموانئ وتعطل المصافي, ليمتد النزيف ويفقد الاقتصاد الصيني نحو 80 مليار دولار, وتتكبد أوروبا 120 مليار دولار, والهند 40 مليار دولار, بينما تقف روسيا كمستفيد مؤقت من ارتفاع النفط قبل أن تضربها موجة الركود العالمي.... ولجأت واشنطن إلى أكبر سحوبات من الاحتياطي الاستراتيجي لاحتواء الصدمة القاتلة, لتبدأ ملامح إعصار اقتصادي عالمي يخنق شرايين الأرض


هذه التصرفات لا تمثل هزيمة عسكرية لواشنطن, لكنها نجاح في نقل المعركة إلى نقطة الضعف البنيوية المتمثلة في الاقتصاد العالمي والمزاج السياسي الداخلي....لقد أُغلق مضيق هرمز, واستهدفت ناقلات النفط, وتوقفت المطارات الخليجية, حتى بلغنا السادس عشر من مارس, وانطلقت دعوات من ترامب لدول العالم بأهمية المشاركة في تحالف عسكري لتأمين المضيق.... وسط معارك ضارية بين حزب الله وإسرائيل وقيام أمريكا بقصف مواقع الحشد الشعبي, المعيار الحقيقي الآن ليس عدد المواقع المدمرة, بل هل تستطيع واشنطن إنهاء الحرب مع بقاء الممرات آمنة والأسعار تحت السيطرة؟ الوقائع تقول إن الإجابة مفزعة, فالتصريحات الإسرائيلية لا تقدم جدولا زمنيا, بل تستخدم تعبيرا مهذبا معناه أن النهاية لم تعد في متناول اليد


ومباشرة تتضح الانعكاسات الكارثية على دول المنطقة, حيث يتساقط جدار الرفاهية المنيع, وتصبح العواصم التي كانت عصب التجارة العالمية إلى مدن مشلولة تعيش تحت رحمة صفارات الإنذار والملاجئ....وتنهار البنية التحتية المدنية وتتعطل محطات تحلية المياه العملاقة, لتترك ملايين البشر يواجهون شبح العطش وسط صحراء ملتهبة....يمتد هذا الشلل ليضرب العصب الإداري والاجتماعي, فتغص إدارات الجوازات والهجرة في مختلف دول الإقليم بملايين المذعورين الباحثين عن تأشيرات خروج أو ممرات آمنة للفرار, مما يخلق ضغطا إداريا وأمنيا يسحق قدرة الضباط والموظفين على استيعاب هذه الحشود الهائلة.....وفي الشوارع, يسيطر الهلع على المواطن البسيط الذي يندفع بشكل هستيري لتخزين ما يكفي لثلاثة أشهر من الغذاء والمؤن الأساسية تحسبا لحصار طويل الأمد, لتفرغ رفوف المتاجر في ساعات, وتنهار منظومة الأمن الغذائي الإقليمي بالكامل....وتثبت الأيام أن دول الجوار تدفع الضريبة الأقسي من استقرارها ومخزونها الاستراتيجي, نيابة عن جنرالات يحركون البيادق من غرف مكيفة بعيدة لا تصلها رائحة الموت


ستصل الأمور حتما إلى المربع الأخطر, وهو تدرج القوى الدولية نحو مواجهات غير مباشرة, تبدأ بدعم لوجستي واستخباراتي خلف الستار لفترة تتراوح بين شهرين إلى خمسة أشهر, تتسع فيها رقعة الألم لتصبح الحرب اختبارا لمن يستطيع تحمل الأذى أكثر وليس لمن يسدد الضربة الأكبر....ثم تنتقل المعركة من منطق 'من يربح الميدان؟' إلى منطق 'من يفرض على الآخر فاتورة لا يطيقها؟' فالنماذج الاقتصادية تتوقع أنه في حال استمرار الحرب لثلاثة أشهر ستتجاوز الخسائر الإقليمية 1.5 تريليون دولار مع خسائر عالمية تبلغ 8 تريليونات دولار, وإذا امتدت لستة أشهر سيصل النزيف الإقليمي إلى 3 تريليونات دولار والعالمي إلى 15 إلى 20 تريليون دولار مع انهيار كامل لسلاسل الإمداد.... وحين تستنفد كل الخيارات, ستتدخل الجيوش العالمية مباشرة, لحماية مصالحها ودعم حلفائها وهنا تنزلق الأمور نحو الهاوية الحتمية لحرب عالمية ثالثة... فمع وصول سعر برميل النفط إلى مائتي دولار وأكثر وانهيار المصانع في القارة العجوز, ستجد أوروبا نفسها مجبرة على إرسال أساطيلها لفك الحصار... في الوقت ذاته, لن يقف التنين الصيني مكتوف الأيدي وهو يرى شريان طاقته يختنق, فيدفع بمدمراته نحو المحيط الهندي للسيطرة وتأمين خطوطه الحمراء, بينما يستغل الدب الروسي هذه الفوضى لتمرير تقنيات فرط صوتية للأذرع المسلحة لكسر التفوق الغربي...


في لحظة اشتباك خاطئة بين مدمرة صينية أو روسية وبارجة أمريكية, أو أمواج كهرومغناطيسية تعمي الأقمار الصناعية, ستسقط كل الخطوط الحمراء, وقد تخرج الأسلحة النووية التكتيكية من صوامعها لتفرض واقعا مروعا... لماذا ينظر الخبراء إلى صراع الشرق الأوسط بوصفه الأخطر عالميا؟ ذلك لأن النظام العالمي منقسم سلفا ويقف على حافة الهاوية ينتظر الشرارة الأولى, ليلتحم الجميع في محرقة لا تبقي ولا تذر, تعيد صياغة خرائط العالم, إن بقي عالم