آخر تحديث :الثلاثاء-17 مارس 2026-10:56م

‏عدن.. قصة الفجر الذي انبثق من عتمة ٢٧ رمضان

الثلاثاء - 17 مارس 2026 - الساعة 01:01 م
مختار الرباش

بقلم: مختار الرباش
- ارشيف الكاتب


‏ليس الـ 27 من رمضان مجرد تاريخ عابر في تقويمنا، بل هو اللحظة التي تنفسنا فيها الحرية بعد اختناق، واليوم الذي انكسرت فيه قيود الظلم أمام إرادة لا تعرف المستحيل، في ذكراه الحادية عشرة، أعود بذاكرتي إلى تلك الأزقة التي شهدت نزيفنا وعزيمتنا، إلى الوجوه التي غابت عنا لتسكن الفردوس، وإلى عدن التي كانت تُنازع الموت فبعثها الله حيةً بصمود أبنائها.


‏يتذكر رفاق السلاح جيداً تلك الأيام العجاف؛ لم تكن حرباً تقليدية، بل كانت معركة وجود. عشنا أياماً نفد فيها الغذاء، وشحّ فيها الماء، وتقاسمنا "الرصاصة" كما تقاسمنا "اللقمة". كان أبناء المقاومة يواجهون آلة قتل غاشمة بصدور عارية وقلوب مؤمنة، متمسكين بتراب مدينتهم لكسر الأطماع الفارسية التي أرادت تحويل عدن إلى خنجر في خاصرة أمتنا العربية. لقد كانت المعاناة وقوداً لإصرارنا، وكان صوت الأذان في مساجدنا يمنحنا القوة لنصمد أمام قذائف الغدر.


‏في ذلك اليوم المشهود من عام 2015م، تحولت عدن إلى ساحة من النور، لم يكن نصراً عسكرياً فحسب، بل كان ملحمة تاريخية سطرها الأبطال لكسر المشروع الفارسي الإيراني وأذنابه، بدعم لا يُنسى من أشقائنا. وهنا، لا يسعنا إلا أن نرفع أجمل كلمات المحبة والتقدير احتراماً وإجلالاً للدور المحوري الذي لعبته دول التحالف العربي لاستعادة الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، فقد كانوا نعم السند في أحلك الظروف، وبفضل الله ثم بمساندتهم الجوية والبرية، استطاعت عدن أن تكسر شوكة المشروع الدخيل وتستعيد هويتها العربية الأصيلة.


‏ولم تتوقف خيول النصر عند أسوار عدن، بل كانت هي نقطة الانطلاق والمدد؛ فبمجرد أن تنفست عدن الصعداء، انطلقنا مع أبطال المقاومة بقلوبٍ متعطشة للحرية صوب المحافظات المجاورة، شهدت جبهات "لحج" و"أبين" زحفاً بطولياً كسر شوكة المليشيات، حيث التحم المقاتلون برفاقهم هناك لتطهير الأرض وتأمين المحافظات ودحر المليشيات. ولم يكتفِ هؤلاء الأبطال بذلك، بل امتدت سواعدهم لترسم خارطة الخلاص في الساحل الغربي وصولاً إلى مناطق تعز، مسطرين بدمائهم وحدة المصير والهدف، ومؤكدين أن من حرر عدن لن يتوقف إلا بنهاية ودحر المليشيات بكل بقعة.


‏كيف لي أن أصف فرحة الانتصار؟ كانت دموعنا تسبق كلماتنا، كانت عدن تكبر، والشوارع التي ضاقت بالدخان اتسعت للزغاريد. لقد انتصرت عدن وأبين ولحج والضالع وسائر مناطق الجنوب، لأنها رفضت الانكسار، وتحررت بفضل دماء طاهرة روت هذا التراب.

‏في هذه الذكرى، نترحم على شهدائنا الأبرار الذين ارتقوا لتبقى رؤوسنا مرفوعة، ونسأل الله أن يحفظ بلادنا ويصلح حالها، وأن يوحد قلوبنا لمصلحة ديننا وبلادنا وشعبنا.


‏د. مختار الرباش الهيثمي

‏أحد قادة المقاومة الجنوبية في حرب 2015م