لم تكن مأساة الجنوب يومًا مجرد صراع سياسي عابر، بل كانت سلسلة طويلة من التصفيات، بدأت بشعارات التحرر وانتهت بثقافة إقصاء لا تزال تحكمنا حتى اليوم.
منذ ما قبل عام 67، لم يكن المشهد صراعًا بين “خونة ووطنيين” كما صُوِّر لاحقًا، بل كان صراع مشاريع ورؤى مختلفة لمستقبل الجنوب. لكن ما إن انتصر طرف حتى بدأ في كتابة التاريخ بطريقته، لا ليحكي الحقيقة، بل ليُقصي كل من سواه.
فجأة، تحوّلت القوى الأخرى إلى “رجعيين” و“عملاء”، لا لشيء إلا لأنهم خسروا المعركة. ومن هنا بدأت أولى الخطايا: تحويل الخلاف السياسي إلى خيانة، والاختلاف إلى جريمة.
ثم دخل الجنوب مرحلة أخطر… مرحلة تصفية الرفاق.
من كان بالأمس مناضلًا، أصبح اليوم “يمينيًا”، ومن كان شريكًا في الثورة صار “يسارًا انتهازيًا”. لم تعد المعايير وطنية، بل أصبحت مرهونة بمن يملك القوة لا بمن يملك الحق.
وهكذا، بدأت الثورة تأكل أبناءها… واحدًا تلو الآخر.
لكن الانفجار الأكبر جاء في 13 يناير 1986، حين لم يعد الصراع مجرد خلاف داخل السلطة، بل تحوّل إلى انقسام عميق زرع أخطر مصطلحين في تاريخ الجنوب: “الزمرة” و“الطغمة”.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد هذه مجرد تسميات سياسية… بل أصبحت هويات تُورّث، واصطفافات تُغذّى، وصراعات تُستدعى كلما سنحت الفرصة.
المأساة الحقيقية ليست في أن هذا الطرف أخطأ أو ذاك ظلم… بل في أننا لم نغادر تلك اللحظة أبدًا.
مرت السنوات، جاءت الوحدة، تغيّرت الأنظمة، تبدّلت الشعارات… لكن العقلية بقيت كما هي.
نفس التصنيفات.
نفس التخوين.
نفس استدعاء الماضي لتبرير الحاضر.
واليوم، ما زال الجنوب يدفع الثمن… لا لأنه بلا قضية، بل لأنه محكوم بتاريخ لم تتم مراجعته، وبنخب لا تعيش إلا على إعادة إنتاج الصراع.
كل طرف يستدعي أنصاره…
كل طرف يعيد فتح جراحه…
وكل طرف يظن أنه يثأر للماضي… بينما هو في الحقيقة يقتل المستقبل.
الحقيقة التي يهرب منها الجميع:
أن الجنوب لم يضع بين “الزمرة والطغمة” فقط…
بل ضاع حين سمح لهذه التصنيفات أن تتحول إلى قدر.
لذلك، فإن التحرر الحقيقي لا يكون بالانتصار لطرف على آخر،
ولا بإعادة تدوير نفس الوجوه والأسماء،
بل بكسر هذه الدائرة بالكامل.
نحتاج أن نتحرر من:
عقلية الزمرة…
وعقلية الطغمة…
ومن كل من يعتاش على هذا الانقسام، حيًّا كان أو ميتًا في الفكر.
لأن الأوطان لا تُبنى بالثأر…
ولا تُدار بالأحقاد…
ولا تُستعادبوجوهٍ لم تتعلم من أخطائها.
وإن لم نفعل ذلك اليوم،
فلا فرق بيننا وبين من بدأ هذا الصراع قبل ستة عقود.