آخر تحديث :الجمعة-03 أبريل 2026-03:56ص

حين يتطاول الصغار على القامات.. الفريق الصبيحي نموذجًا للشجاعة التي لا تُشترى

الجمعة - 27 مارس 2026 - الساعة 11:19 م
الشيخ أحمد البكري

بقلم: الشيخ أحمد البكري
- ارشيف الكاتب


في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، وصار فيه الصوت الأعلى ليس بالضرورة صوت الحق، يخرج علينا بين الحين والآخر من يحاول التقليل من رموز وطنية صنعت مجدها في ميادين الشرف، لا في دهاليز الكلام الفارغ ومن بين هؤلاء من يجرؤ على انتقاد الفريق محمود الصبيحي، متناسياً أو متجاهلاً تاريخاً عسكرياً ناصعاً لا يُمكن طمسه بعبارات عابرة أو مواقف مرتجلة.


الهجوم على الصبيحي ليس مجرد رأي، بل هو محاولة بائسة لإعادة كتابة التاريخ بأقلام المرتبكين، أولئك الذين لم تطأ أقدامهم ساحات المواجهة، ولم يسمعوا أزيز الرصاص إلا عبر الشاشات. فكيف لمن لم يختبر الخطر أن يقيم رجلاً عاشه بكل تفاصيله؟ وكيف لمن اعتاد الظل أن يقيّم من وقف في قلب الشمس؟


الفريق محمود الصبيحي ليس اسماً عابراً في سجل المؤسسة العسكرية، بل هو عنوان لمرحلة من الصمود والثبات. رجل لم يصنعه الإعلام، بل صنعته المواقف، ولم ترفعه الشعارات، بل رفعته التضحيات.


كان في الصفوف الأولى حين تراجع كثيرون، وثبت حين تخلخلت مواقف، ودفع ثمن مواقفه شرفاً لا يساوم عليه.


من ينتقدون اليوم، أين كانوا بالأمس؟

هل كانوا في الجبهات؟

هل كانوا ضمن من دافعوا عن الدولة حين كانت على وشك الانهيار؟

أم كانوا ضمن طوابير المتفرجين، أو أسوأ من ذلك، ضمن جوقة المزايدين بعد أن هدأت المعارك؟

إن محاولة تشويه تاريخ الصبيحي لا تعكس سوى أزمة لدى من يهاجمونه؛ أزمة في الفهم، وأزمة في تقدير الرجال. فالبطولة لا تُقاس بعدد المنشورات، ولا تُختزل في تعليق عابر، بل تُقاس بمواقف تُكتب بالدم، لا بالحبر.

الصبيحي يمثل مدرسة في الانتماء الوطني، حيث لم يكن يوماً باحثاً عن مكسب شخصي، ولا ساعياً خلف منصب، بل كان وما يزال نموذجاً للقائد الذي يضع الوطن فوق كل اعتبار. وهذه الحقيقة هي ما تزعج البعض، لأنهم اعتادوا على نماذج أخرى، نماذج تتقن الكلام أكثر من الفعل.


ومن المؤسف أن يتحول النقد من مساحة للتقييم الموضوعي إلى منصة للتجريح والتقليل من الرموز فالنقد الحقيقي يُبنى على معرفة، أما ما نراه اليوم فهو في كثير من الأحيان مجرد انفعالات سطحية أو محاولات للفت الانتباه على حساب القامات.


إن الدفاع عن الصبيحي ليس دفاعاً عن شخص بقدر ما هو دفاع عن قيمة، عن فكرة أن الوطن لا يُبنى إلا بأمثال هؤلاء الرجال. وإن ترك الساحة لمن يسيئون للرموز دون رد، يعني القبول بتشويه الوعي العام وإعادة تشكيله وفق أهواء لا تخدم إلا الفوضى.


وسيبقى الفريق محمود الصبيحي أكبر من محاولات التقزيم، وأعمق من أن يُختزل في رأي عابر. فالتاريخ لا يكتبه المنتقدون من خلف الشاشات، بل يكتبه أولئك الذين يقفون في الصفوف الأولى، حيث يُصنع المجد الحقيقي.