لو افترضنا غياب الولايات المتحدة وإسرائيل عن العالم، فهل يُتوقَّع أن يتحوّل النظام الإيراني - بطموحاته النووية، وصواريخه الباليستية، وشبكاته من الميليشيات - إلى شريكٍ حقيقي لدول الخليج، في ضوء واقع هجماته التي قاربت 80 في المائة نحو محيطه الإقليمي مقارنةً بإسرائيل؟
الإجابة عن هذا السيناريو الافتراضي المضاد للواقع يبيِّن أن الإشكالية كامنة في طبيعة هذا النظام ذاته منذ عام 1979، كما دلت عليه الخبرة التاريخية لهذا النظام في زعزعة استقرار بيئته الإقليمية، لا في غياب خصومه.
وفي حال افترضنا تحقُّق هذه الأهداف الاستراتيجية أو بعضها - تحوّل إيران إلى دولة غير نووية، ونزع قدراتها الصاروخية بعيدة المدى، ووقف دعمها للفصائل المسلحة - فإنَّ ذلك سيقود إلى مرحلة يُعاد فيها تشكيل توازنات القوة في الإقليم والعالم، بما يتجاوز منطق المواجهة العسكرية المباشرة والتي ستكون على النحو التالي:
أولاً: يُرجّح أن تتصاعد الضغوط الدولية والإقليمية لتسوية الوضع الفلسطيني، ودمج المنطقة في شبكة اقتصادية - أمنية أوسع. ويصبح «الاستقرار مقابل الاندماج» إطاراً عملياً يُقدّم اعتبارات سلاسل الإمداد والتكامل الاقتصادي على مركزية التسوية السياسية التقليدية.
ثانياً: من المتوقع أن يواجه النظام الإيراني تآكلاً داخلياً متدرّجاً، على نحوٍ يُشبه ما شهدته نماذج حركية - عسكرية في الإقليم مثل «حماس» و«حزب الله» من ضغوط مركّبة، إذ من المحتمل أن تترك الحرب تداعيات اقتصادية وسياسية عميقة تؤثر على علاقة المجتمع بالنظام السياسي القائم، بما يعمّق أزمة الشرعية السياسية، ويُبرز تناقضاتٍ متصاعدة بين النظام والشارع، ويفتح المجال أمام تحولات راديكالية محتملة قد تتجلّى في انقسامات داخل النخبة الحاكمة متزامنة مع احتجاجات جماهيرية، لا سيّما إذا استمرّ النظام في رفض مبادرات إصلاحية جوهرية، أو في الإحجام عن تقديم تنازلات سياسية.
ثالثاً: في ظل هذا الإضعاف المحتمل لبنية النظام الإيراني، يُتوقع أن تنعكس تداعياته مباشرة على علاقته بأذرعه وشبكات نفوذه من الميليشيات والفصائل المسلحة في الإقليم، سواء من حيث مستوى الدعم أو القدرة على الضبط والتوجيه. وسيبرز إحياء صارم لمفهوم الدولة الحديثة كما صاغه ماكس فيبر، الذي عرّفها بأنها الكيان ذو السيادة الذي يحتكر «العنف المشروع» داخل حدوده، وهو تعريف مرشح لأن يتحول إلى سياسة تنفيذية تُفرض عبر أدوات ضغط دولية وإقليمية لضبط ونزع سلاح الفاعلين دون الدولة، وفي مقدمتهم الميليشيات والفصائل المسلحة في دول مثل العراق ولبنان، بما يعيد بناء الجيوش الوطنية بوصفها الإطار الوحيد المشروع لحمل السلاح. كما يُتوقع أن يمتد هذا المسار لاحقاً إلى بيئات أكثر تعقيداً مثل اليمن، حيث تتداخل البُنى القبلية مع التشكيلات المسلحة، مما يجعل عملية نزع السلاح أقرب إلى إعادة تأسيس عقد اجتماعي جديد. وإعادة احتكار الدولة للسلاح في هذه الدول تُرجّح دخولها طوراً انتقالياً مضطرباً، تتصاعد فيه أنماط الصدام والفوضى المؤقتة، قبل أن يترسّخ نموذج الدولة المركزية.
رابعاً: من المرجح أيضاً أن تخضع الجيوسياسية البحرية لإعادة ضبط مركّزة في المضائق الحيوية مثل مضيقَي هرمز وباب المندب، عبر تعزيز أمن الملاحة وضمان تدفقات الطاقة والتجارة، بالتوازي مع تطوير ممرات بديلة تقلّل الاعتماد على المسارات التقليدية، كطريق الحرير الصيني، بما يعزِّز دور المنطقة كمحور رئيس في شبكات التجارة العالمية.
خامساً: من المحتمل أن يتقدَّم منطق التحالفات والتكتلات بوصفه السمة الأبرز في المرحلة المقبلة. إذ يُتوقع نشوء تكتلات إقليمية جديدة أو عابرة للإقليم، وتعزيز بعض التكتلات القائمة، بحيث تُبنى على تداخل الأبعاد الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، وتحول التحالفات من صيغ دفاعية تقليدية إلى أطر شاملة لإدارة الأمن القومي وسلاسل الإمداد والاستثمار. وستبرز بشكل كبير أهمية العامل الأمني من زاويته الدفاعية تحديداً، حيث تمكّن هذه التكتلات الدول من تعزيز قدراتها على الردع، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق أنظمة الدفاع الجوي والبحري، ورفع جاهزية الاستجابة للتهديدات المشتركة، بما يقلّل من تكلفة المواجهة الفردية ويزيد من فاعلية الحماية الجماعية. كما ستتجه الدول المحورية إلى الانخراط ضمن شبكات متعدّدة الاتجاهات، تُدير من خلالها توازناتها بين القوى الكبرى، بما يعزّز قدرتها على التكيّف مع بيئة دولية متحوّلة.
سادساً: على وقع التداعيات الاقتصادية للحرب، يُتوقع أن يتفاقم الانقسام السياسي الداخلي في الولايات المتحدة. فإعلان النصر من قبل إدارة دونالد ترمب لن يُنهي الجدل الداخلي، بل من المحتمل أن يغذيه نتيجة الضغوط الاقتصادية، وارتفاع التكلفة المالية للحرب، وتباين التقييمات السياسية لنتائجها، الأمر الذي يعمّق الاستقطاب بين التيارات الأميركية، ويجعل تداعيات الحرب عاملاً داخلياً ضاغطاً على بنية النظام السياسي ذاته.
سابعاً: وفي امتدادٍ مباشر لهذه التداعيات الاقتصادية العالمية، يُرجّح أن تتشكّل أزمة اقتصادية ذات طابع عالمي في مرحلة ما بعد الحرب، غير أن ارتداداتها ستكون أكثر حدّة على دول الإقليم الفقيرة، التي تفتقر إلى هوامش المناورة المالية والقدرة على امتصاص الصدمات.
ثامناً: في المقابل، لن تكون إسرائيل بمنأى عن هذه التداعيات، إذ يُتوقع أن تشهد انقساماً داخلياً متصاعداً لا يرتبط بنتائج الحرب حتى في حال تحقيق انتصار عسكري، بقدر ما يتصل ببنية الدولة، وهويتها، ومعضلة أمنها، وبإرث بنيامين نتنياهو السياسي، بما يعمّق الاستقطاب بين تيار يميني يتجه نحو مزيد من التشدد والالتفاف حول نتنياهو، وتيار وسطي ويساري معارض، وهو ما قد يدفع نحو تصدير الأزمة إلى الخارج، وتحديداً عبر إعادة توظيفها في سياق القضية الفلسطينية.
تاسعاً: من المحتمل كذلك أن تمتد آثار هذه التحولات الإقليمية أيضاً إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط، لتنعكس على توازنات القوى العالمية، لا سيما على موقع الصين ضمن النظام الدولي. فضبط الممرات التجارية، وبناء ممرات بديلة، وتعزيز التحالفات الأمنية، كلها عوامل تضغط على المشاريع العابرة للقارات التي تقودها بكين، وتدفع نحو إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي. وبالتوازي، يُتوقع أن يشهد النصف الغربي اللاتيني من العالم، ودول مثل فنزويلا وغيرها، اهتماماً متزايداً من الولايات المتحدة في إطار إعادة تفعيل ما يشبه إحياء مبدأ «مونرو»، بغرض منع تمدد قوى منافسة في مجالها الحيوي. وهو ما قد يفضي مستقبلاً إلى إعادة ترتيب الإقليم اللاتيني في تناغم غير مباشر مع ترتيبات الفضاء الأوراسي، الذي يهدف إلى كبح صعود قوى كبرى منافسة من داخل أوراسيا في مواجهة الولايات المتحدة.
خلاصة القول، في حال افترضنا تحقّق هذه الأهداف الاستراتيجية أو بعضها- تحوّل إيران إلى دولة غير نووية، ونزع قدراتها الصاروخية بعيدة المدى، ووقف دعمها للفصائل المسلحة - فإنَّ ما بعد الحرب سيعيد تشكيل الإقليم والعالم، لتبقى الحكومات التي تقرأ هذا التحول بذكاء استراتيجي للمستقبل هي وحدها القادرة على اغتنام الفرص وتوجيه مخرجاته لصالحها.
نقللأ عن الشرق الاوسط.