في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها معظم الأسر في حضرموت، تتفاقم معاناة المواطنين يوماً بعد آخر، ليس فقط بسبب ارتفاع الأسعار، بل أيضاً نتيجة ممارسات غير منصفة من بعض سائقي الباصات وسيارات الأجرة، الذين باتوا يشكلون عبئاً إضافياً على كاهل الناس.
المفارقة التي تثير الاستغراب، أن عدداً كبيراً من هذه المركبات أصبح يعمل بمنظومات الغاز، وهو وقود أقل تكلفة بكثير من البترول، ما يفترض أن ينعكس بشكل مباشر على تخفيض أجور النقل، إلا أن الواقع يكشف عكس ذلك، حيث لا يزال كثير من السائقين يفرضون نفس التعرفة المرتفعة، وكأن شيئاً لم يتغير، في صورة واضحة من الجشع واستغلال حاجة المواطنين.
الأمر لا يتوقف عند حدود الأجرة فقط، بل يمتد إلى سلوكيات غير مقبولة، أبرزها التكديس المفرط للركاب داخل المركبات، دون مراعاة لأبسط معايير الراحة أو السلامة، فهناك مشاهد يومية لركاب محشورين في مساحات ضيقة، يعانون خلال رحلتهم من الإرهاق والتعب، وكأن الوصول إلى الوجهة يتطلب ثمناً من صحتهم وكرامتهم.
كما تبرز مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي الحالة الفنية للكثير من هذه المركبات، التي تفتقر إلى الحد الأدنى من المواصفات وأعمال الصيانة الدورية والتأكد من إجراءات السلامة، سواء من حيث نظافة المقاعد وجودتها، أو التكييف، أو الإضاءة، أو حتى سهولة استخدام الأبواب والنوافذ والتفاصيل الفنية الاخرى، وكلها تفاصيل تعكس مستوى الخدمة المتدني الذي يُقدَّم للمواطن، رغم ما يدفعه من مبالغ ليست بالقليلة.
والكارثة الكبرى أن جميع شرائح المجتمع متضررة من هذه التسعيرات ومن تهالك المركبات سيما طلاب المدارس والجامعات والموظفين، و هم الأكثر تضرراً من هذه الأوضاع، حيث يضطرون لدفع مبالغ شهرية مرتفعة تثقل كاهل أسرهم، دون أي مراعاة لظروفهم أو تقديم أي تسهيلات تُذكر خصوصا اذا كانت المركبة تعمل بالغاز بدلا من البترول.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لتدخل الجهات المختصة، وفي مقدمتها مكتب وزارة النقل ونقابات الباصات وسيارات الأجرة، لوضع حد لهذه الاختلالات، عبر تنظيم التعرفة بما يتناسب مع تكلفة التشغيل الفعلية، ومراقبة أداء السائقين، وفرض معايير واضحة تضمن كرامة وسلامة الركاب.
إن العدالة في التسعير، والالتزام بالمعايير الإنسانية في النقل، والحرص على صيانة المركبة، ليست مطالب كمالية، بل حقوق أساسية يجب أن تُصان، فالمواطن لم يعد يحتمل المزيد من الأعباء، وأي تجاهل لهذه القضية لن يؤدي إلا إلى تعميق المعاناة.
ورغم كل شي يبقى الأمل معقوداً على تحرك جاد ومسؤول يعيد التوازن لهذا القطاع الحيوي، ويضع حداً لحالة الاستنزاف التي أنهكت المواطن، وأفقدت النقل العام دوره الحقيقي كخدمة، لا كوسيلة للربح على حساب معاناة الناس.