آخر تحديث :الثلاثاء-07 أبريل 2026-12:44ص

عدن كاقتصاد مجزأ: كيف تعمل الأسواق في العاصمة المؤقتة؟

الجمعة - 03 أبريل 2026 - الساعة 03:15 م
نايف حمود العزي

بقلم: نايف حمود العزي
- ارشيف الكاتب


تفترض الأدبيات الاقتصادية الحضرية أن المدن التي تؤدي وظيفة “العاصمة الاقتصادية” تميل إلى العمل ضمن إطار مؤسسي موحد، يضمن تكامل الأسواق واستقرار التدفقات المالية. غير أن حالة عدن تقدّم نموذجًا مغايرًا، حيث تعمل المدينة—بوصفها العاصمة المؤقتة لليمن—ضمن بنية اقتصادية مجزأة، تتوزع فيها القواعد التنظيمية وآليات الجباية ومسارات التدفقات بين مراكز متعددة، ما يخلق نمطًا من “اقتصاد بلا مركز”.




في هذا السياق، لا تعكس الأزمات الخدمية المتكررة اختلالات طارئة، بل تكشف عن نمط بنيوي يعيد إنتاج نفسه، نتيجة غياب إطار مؤسسي قادر على ضبط حركة الموارد وتنظيم السوق.






أولًا: تجزؤ القواعد التنظيمية للسوق




في الاقتصادات المستقرة، تقوم السوق الحضرية على وحدة القواعد التنظيمية واستقرار آليات التسعير وتكافؤ شروط المنافسة. أما في عدن، فقد أدى تعدد مراكز الإدارة الاقتصادية إلى نشوء بيئة سوقية غير متجانسة.


يتجلى ذلك في:


• اختلاف آليات الجباية


• تباين الإجراءات التنظيمية


• تعدد قنوات التحصيل المالي




هذا التعدد لا يعكس تنوعًا اقتصاديًا، بل يشير إلى تجزؤ في قواعد السوق، حيث تعمل القطاعات المختلفة وفق نظم غير متسقة، ما يؤدي إلى تشوهات سعرية، وارتفاع تكاليف المعاملات، وتراجع القدرة على التنبؤ.






ثانيًا: تجزؤ التدفقات واقتصاد الريع الحضري




تشكل الإيرادات السيادية وخاصة الجمارك، والموانئ ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي في عدن، غير أنها لا تُدار ضمن نظام مالي موحد، بل تخضع لآليات توزيع متعددة، ما يجعل التحكم في التدفقات المالية أداة رئيسية لتحديد النشاط الاقتصادي.




غير أن هذا البعد لا يكتمل دون الإشارة إلى الريعية الحضرية، حيث تمثل الأراضي والعقارات أحد أهم مصادر توليد الريع في المدينة. فالصراع على الأراضي، ومنح التراخيص، والتحكم في الامتدادات الحضرية، يشكل بدوره قناة موازية لتوزيع الموارد والنفوذ.




في هذا السياق، لا يصبح الريع مرتبطًا فقط بالموانئ أو الجمارك، بل يمتد إلى الفضاء الحضري ذاته، ما يعزز تعدد مراكز القوة الاقتصادية داخل المدينة.


وينعكس ذلك في:


• إعادة توجيه الأنشطة التجارية نحو قنوات محددة


• تركّز الفرص الاقتصادية في نطاقات ضيقة


• اختلال توزيع العوائد داخل السوق



وبذلك، يقوم الاقتصاد الحضري على إدارة الريوع والتدفقات أكثر من اعتماده على الإنتاج أو الكفاءة.






ثالثًا: الاقتصاد الموازي وتفكك الوساطة المالية




إلى جانب البنية الرسمية المتشظية، تعمل في عدن بنية اقتصادية موازية تلعب دورًا حاسمًا في إدارة السيولة. إذ تعتمد المدينة بشكل كبير على شبكات الصرافة والتحويلات المالية غير الرسمية، في ظل تراجع دور القطاع المصرفي التقليدي.




في هذا الإطار، لا تمثل السوق الرسمية سوى جزء من النشاط الاقتصادي، بينما تتحكم السوق الموازية فعليًا في:


• تدفقات النقد


• تحديد أسعار الصرف في التداول اليومي


• تمويل الأنشطة التجارية




هذا الواقع يعمّق من حالة “اقتصاد بلا مركز”، حيث تنفصل أدوات السياسة النقدية عن السلوك الفعلي للسوق، وتتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على التأثير في المتغيرات الاقتصادية.






رابعًا: الاختناق الحضري واعتماد المسار




تمثل الخدمات الأساسية—وخاصة الكهرباء والوقود—عنصرًا حاسمًا في استقرار الاقتصاد الحضري. وفي عدن، تكشف الأزمات المتكررة في هذا القطاع عن نمط “اختناق حضري”، حيث يؤدي أي تعثر في المدخلات الأساسية إلى تعطّل واسع في النشاط الاقتصادي.




غير أن الأهم هو أن الاستجابات قصيرة الأجل—مثل إنشاء محطات كهرباء مستقلة أو ترتيبات تمويلية منفصلة—تخلق مسارًا مؤسسيًا يصعب الخروج منه لاحقًا، وهو ما يُعرف بـ الاعتماد على المسار (Path Dependence).




فكل حل مؤقت يتم تثبيته اليوم، يرفع من تكلفة العودة إلى نظام وطني موحد مستقبلًا، سواء من الناحية المالية أو التقنية، ما يحوّل الحلول المرحلية إلى قيود هيكلية طويلة الأمد.






خامسًا: تجزؤ القرار المالي وإزاحة الإنفاق




في ظل تعدد مراكز الإيرادات وغياب موازنة موحدة، يتخذ الإنفاق العام طابعًا تجزيئيًا، حيث تُوجَّه الموارد نحو تغطية نفقات جارية كالرواتب، والدعم التشغيلي، على حساب الاستثمار في البنية التحتية.




لا يعكس هذا النمط مجرد ضعف في الموارد، بل يشير إلى تجزؤ في القرار المالي، حيث تغيب الأولويات الاقتصادية الكلية لصالح اعتبارات قصيرة الأجل.


وينتج عن ذلك:


• استمرار تدهور الخدمات


• ضعف القدرة على التعافي


• تراكم الاختلالات الهيكلية




وبمرور الوقت، يتحول الإنفاق العام من أداة تنموية إلى آلية لإدارة الاختلال فقط.






سادسًا: الانقسام النقدي والتضخم المستورد




يتقاطع الاقتصاد الحضري في عدن مع الانقسام النقدي الأوسع في اليمن، حيث يؤدي تعدد أسعار الصرف واختلاف السياسات النقدية إلى تعميق التشوهات داخل السوق.




في اقتصاد يعتمد على الاستيراد، لا يُعد التضخم (الارتفاع في المستوى العام للأسعار) نتيجة لزيادة الطلب، بل هو في جوهره تضخم مستورد ناتج عن:


• انخفاض قيمة العملة الوطنية (ارتفاع سعر الصرف)


• صدمات العرض الخارجية


• ارتفاع تكاليف الواردات




حيث يخلق هذا التباين فرصًا للمضاربة وإعادة التسعير، ما يفاقم حالة عدم اليقين ويُضعف الاستقرار الاقتصادي.






سابعًا: آفاق المعالجة: نحو ضبط الاقتصاد الحضري




لا يمكن معالجة اختلالات اقتصاد عدن عبر تدخلات جزئية، بل يتطلب ذلك مسارًا تدريجيًا لإعادة تنظيم الاقتصاد الحضري.


يبدأ هذا المسار بـ:


• ضبط تدفقات الإيرادات عبر توحيد أو تنسيق قنوات التحصيل الرئيسية


• فك الاختناق الخدمي من خلال ربط تمويل الخدمات بمصادر إيرادية مستقرة


• إعادة تنشيط السوق عبر خفض حواجز الدخول وتقليص الطابع الاحتكاري




غير أن جوهر المعالجة لا يكمن في زيادة الموارد، بل في إعادة بناء القواعد التي تحكم حركتها.






خاتمة: عدن كاقتصاد بلا سيادة تنظيمية




لا تعاني عدن من نقص الموارد، بل من غياب الإطار الذي يحدد كيف تتحرك هذه الموارد ومن يضبط مساراتها.




وفي وضعها الحالي، لم تعد المدينة تعمل كعاصمة اقتصادية موحدة، بل كفضاء حضري مجزأ، تتوزع فيه القواعد والتدفقات ومراكز القرار دون مرجعية تنظيمية جامعة.




وبذلك، لا يكمن الاختلال في ضعف الأداء، بل في طبيعة البنية ذاتها؛ حيث يتحرك الاقتصاد خارج منطق الدولة، وتُدار موارده عبر مراكز متعددة لا تنتج توازنًا، بل تعيد إنتاج عدم الاستقرار.




وعليه، لا تُفهم الأزمات كحالات عابرة، بل كنتاج طبيعي لاقتصاد بلا سيادة تنظيمية.