للكاتب عمرو قادري
يشهد الساحل التهامي في المرحلة الراهنة تحولات لافتة على المستويين الأمني والسياسي في ظل تواجد الأشقاء في المملكة العربية السعودية وهو تواجد انعكس بشكل مباشر على الواقع الميداني وحياة المواطنين في تهامة حيث بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل عنوانها إعادة ترتيب المشهد الأمني وتخفيف الأعباء التي عانى منها المواطن خلال الفترة الماضية وهو ما أسهم في خلق حالة من الارتياح الشعبي وعودة الأمل لدى أبناء المنطقة بعد فترة من القلق والتذمر
وقد شهدت مناطق الساحل التهامي خلال الفترة الأخيرة تحسناً نسبياً في حركة المواطنين والتنقل بعد فترة طويلة من التعقيدات الأمنية والإجراءات المشددة التي أثرت سلباً على الحياة اليومية للسكان وانعكس هذا التحسن على الحالة المعنوية للمجتمع حيث لمس المواطنون تغيراً في طبيعة التعامل وتخفيفاً للقيود التي كانت تشكل عبئاً على النشاط الاقتصادي والاجتماعي وكانت المرحلة السابقة قد شهدت حالة من التذمر الشعبي نتيجة ممارسات بعض النقاط الأمنية والشرطة العسكرية التابعة للفصيل الذي تم تمكينه في الساحل بدعم من الدولة الشريكة السابقة في التحالف وهو ما أدى إلى احتقان شعبي وشعور متزايد لدى المواطنين بضرورة إعادة ضبط المشهد الأمني بما يخدم الاستقرار ويعزز ثقة المجتمع ومع التغيرات الأخيرة بدأ المواطنون يستشعرون مرحلة انتقالية جديدة تقوم على إعادة التوازن وتعزيز الأمن والاستقرار بما ينعكس إيجاباً على الأوضاع العامة في المنطقة
ولا يمكن قراءة المشهد في الساحل التهامي دون التوقف أمام التضحيات الكبيرة التي قدمها أبناء تهامة في مواجهة ميليشيات جماعة الحوثي المدعومة من إيران فقد كان أبناء تهامة في طليعة المعركة منذ انطلاق العمليات العسكرية في الحديدة حيث شاركوا بفاعلية في تحرير القرى التهامية وتأمينها بالتنسيق مع القوات المشتركة وبدعم من التحالف العربي وتمكنت هذه القوات من تحقيق تقدم ميداني ملحوظ وصل إلى مسافة قريبة من ميناء الحديدة في معركة كانت تمثل محطة مفصلية لإنهاء سيطرة الحوثيين على المدينة إلا أن تلك التطورات توقفت لاحقاً لتدخل المنطقة مرحلة جديدة شهدت بروز إشكالية التهميش والإقصاء التي شعر بها أبناء تهامة خاصة أولئك الذين كانوا في مقدمة الصفوف وقدموا التضحيات
وقد خلق هذا الواقع حالة من المطالبة المتزايدة بتمكين أبناء المنطقة باعتبارهم الأقدر على إدارة شؤون مناطقهم وحمايتها وهو مطلب يتماشى مع متطلبات الاستقرار طويل الأمد ويعزز فرص نجاح أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية كما أن المرحلة الحالية تفرض ضرورة التعامل مع الإعلام كأداة استراتيجية لا تقل أهمية عن العمل الميداني حيث لم تعد المعركة مقتصرة على الجانب العسكري فقط بل أصبحت معركة وعي ورأي عام ويعتمد الحوثيون بشكل كبير على الإعلام والقوة الناعمة في إطار استراتيجية تهدف إلى التأثير على المجتمع وإعادة تشكيل الوعي العام
ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء إعلام تهامي فاعل قادر على نقل الواقع بموضوعية ومواجهة الحملات الإعلامية المضللة وتعزيز الهوية التهامية إلى جانب إبراز عمق العلاقة التاريخية بين تهامة والمملكة العربية السعودية وهي علاقة تقوم على الجوار والمصالح المشتركة والروابط الاجتماعية الممتدة عبر التاريخ ويشكل بناء خطاب إعلامي مسؤول وموحد أحد أهم العوامل التي تسهم في تعزيز الاستقرار وتحصين المجتمع ودعم أي جهود سياسية أو أمنية تسعى إلى بناء مرحلة جديدة في الساحل التهامي
إن ما يشهده الساحل التهامي اليوم يمثل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني بما يضمن تمكين أبناء المنطقة وتعزيز الشراكة مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودعم مسار الاستقرار والتنمية فنجاح هذه المرحلة يتطلب رؤية واضحة تقوم على إشراك أبناء تهامة وتعزيز الدور الإعلامي وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسات الأمن بما يضمن الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار وتحقيق تطلعات أبناء تهامة في الأمن والتنمية والتمكين السياسي. ..