آخر تحديث :السبت-04 أبريل 2026-10:34م

ثورة… أم دعوة أصابت الجنوب؟

السبت - 04 أبريل 2026 - الساعة 04:05 م
حسين علي باهميل

بقلم: حسين علي باهميل
- ارشيف الكاتب


:حسين علي باهميل


منذ مطلع السبعينات، وفي ذروة الحماسة الثورية التي اجتاحت الجنوب، ارتفع شعار: “ثورة ثورة لا إصلاح”. كان الشعار حينها يبدو كأنه تعبير عن إرادة التغيير الجذري، ورفض أنصاف الحلول، والقطيعة مع الماضي بكل ما يحمله. لكن، وبعد مرور عقود، يحق لنا أن نتوقف أمام هذا الشعار لا بوصفه مجرد عبارة تاريخية، بل كفكرة تأسيسية ما زالت آثارها تطارد الجنوب حتى اليوم.


ذلك الشعار لم يكن مجرد حماس عابر، بل كان إعلاناً صريحاً لرفض الإصلاح كمنهج، واستبداله بثقافة الهدم الكامل. ومن هنا بدأت المأساة. حين يُقصى الإصلاح، يُفتح الباب للفوضى، وحين تُقدَّس الثورة دون ضوابط، تتحول من وسيلة للبناء إلى أداة للهدم المستمر.


لقد عاش الجنوب منذ ذلك الحين دوامة من الصراعات، والإقصاء، والتصفيات، وكل طرف يرفع شعار “الثورة” ضد الآخر، وكأن الثورة أصبحت غاية بحد ذاتها، لا وسيلة لتحقيق الاستقرار والعدالة. وهنا تكمن الخطورة: حين يتحول الشعار إلى عقيدة، يفقد المجتمع قدرته على المراجعة والتصحيح.


وإن كان من الجرأة أن نقولها بوضوح: هذا الشعار كان أقرب إلى دعوة على الجنوب أكثر منه مشروعاً لإنقاذه. دعوة تم استجابتها، فغاب الإصلاح، وحضر الصراع، وتكرست عقلية الإلغاء بدل الشراكة.


اليوم، وبعد كل ما مرّ به الجنوب من تجارب مريرة، لم يعد مقبولاً الاستمرار في نفس النهج، ولا في نفس الشعارات التي أثبتت فشلها. فالأمم لا تُبنى بالثورات المستمرة، بل تُبنى بالإصلاح المتدرج، والاعتراف بالأخطاء، والقدرة على تصحيح المسار.


إن المطلوب اليوم ليس مجرد نقد الماضي، بل التوبة الفكرية منه. نعم، التوبة من ثقافة “لا إصلاح”، والعودة إلى منهج يوازن بين التغيير والاستقرار، بين الطموح والواقعية، بين الثورة والبناء.


فالجنوب لا يحتاج إلى ثورة جديدة، بل يحتاج إلى عقل جديد…

عقل يؤمن أن الإصلاح ليس ضعفاً، بل هو أعلى درجات القوة.