آخر تحديث :السبت-04 أبريل 2026-10:34م

مقامرة الفوضى الخلاقة: كيف يدير ترامب هندسة الأزمات في الشرق الاوسط؟

السبت - 04 أبريل 2026 - الساعة 05:30 م
هشام السامعي

بقلم: هشام السامعي
- ارشيف الكاتب



بينما كانت العواصم الخليجية تنتظر تنسيقاً استراتيجياً مع حليفتها الوثيقة الولايات المتحدة الأمريكية لإدارة الأزمة مع إيران، وفق مبدأ الالتزام بحسن الجوار وإدارة النزاع عن طريق المفاوضات، اختار الرئيس دونالد ترامب في فبراير الماضي المسار المنفرد، مطلقاً العنان للفوضى المنظمة أو كما سمتها سابقاً وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق كوندليزا رايس (الفوضى الخلاقة) في منطقة الشرق الأوسط. وعلى ما يبدو بأنه لم يكن الهدف ضرب إيران فحسب، بل الضغط على مراكز الثقل العالمي (أوروبا والصين) والشركاء الإقليميين، لوضعهم جميعاً أمام خيار واحد، الانصياع لرؤية أمريكا أولاً والقبول بالتطبيع مع إسرائيل أو مواجهة الانهيار الاقتصادي.

انعكاس هذه الحرب جعل أوروبا تجد نفسها اليوم رهينة لارتفاعات قياسية في أسعار الوقود والغاز، محاصرة بين حاجتها لأمن الطاقة وعجزها عن التأثير في القرار الأمريكي. أما الصين، مصنع العالم، بدأت تعاني من اختناق سلاسل الإمداد، حيث أدت مخاطر الملاحة في مضيق هرمز إلى قفزات في تكاليف الشحن ورسوم التأمين، مما حول طريق الحرير إلى مسار مليء بالمطبات الاقتصادية.

في قلب هذه العاصفة، تواجه دول الخليج التحدي الأكبر، فإغلاق مضيق هرمز لم يعطل تدفق الصادرات النفطية فحسب، بل وضع البنى التحتية تحت رحمة المسيرات والصواريخ التي تساقطت على بعض المدن في دول الخليج. لكن المثير للجدل في الأحداث الراهنة هو المعلومات التي ترجح وجود طرف ثالث في الحرب، تلك القوى التي تستغل حالة الصراع الحاصل لإرسال مسيرات غامضة هدفها ضرب المصالح الخليجية والعربية في مدن عدة، من بينها سلطنة عمان التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع طهران، مما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل من الصعب تحديد مصدر تلك المسيرات بدقة في حرب استنزاف غير تقليدية.

لم يكن غياب التنسيق الأمريكي مع الحلفاء الخليجيين مجرد سقطة إدارية، بل قد يكون هدفاً امريكياً اسرائيلياً لرفع منسوب المخاطر السيادية، مما يجبر دول المنطقة على مراجعة حساباتها الأمنية والاقتصادية بعيداً عن التوازنات القائمة حالياً.

يراهن ترامب ونيتنياهو على أن وصول العالم إلى حافة الهاوية هو الطريق الوحيد لإعادة صياغة اتفاقات تجارية وأمنية تضمن لأمريكا الهيمنة الكاملة على المنطقة من جديد، وإيكال بعض المهام التصعيدية لحلفائها في تل أبيب، حتى لو كان الثمن شللاً مؤقتاً في عصب الاقتصاد العالمي.

أرادت أمريكا اخضاع أوروبا والصين لطموحاتها، وأرادت إسرائيل صناعة فوضى جديدة في المنطقة في محاولة لكبح جماح المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تنفذها السعودية وبعض دول الخليج ومصر.

هذه الحرب هدفها الاقتصاد وعناوينها براقة ومتناقضة، وهي مرحلة مفصلية حساسة لابد أن تخرج منها الدول العربية بقوة أكبر، وهذا ما يلاحظ من خلال التحركات التي تقودها الدبلوماسية السعودية والمخابرات المصرية.


هشام السامعي