حين أراد اللهُ عز وجل للإسلام أن يشتدَّ عودُه، ولشجرةِ الإيمان أن تضربَ جذورَها في تربة الأرواح ببهاءٍ وسكينة، بزغ إسلامُ عثمان بن عفان -رضي الله عنه- إشراقةً ذات سناءٍ خاص؛ فلم يكن مجرد انضواء رجلٍ من سادات قريش تحت لواء الهدى، بل كان تجسيداً حياً لقيم "النبل"، و"الحياء"، و"السماحة" التي صهرتها النبوة في بوقتها، لتصنع شخصية فذة جمعت بين طهر الروح وسخاء اليد. لقد كان سبّاقاً إلى النور حين دعاه الصدّيق، ففتح قلبه للحق دون تردد، ليكون من طلائع "الرعيل الأول" الذين رسموا بدمائهم وأموالهم معالم الطريق للأمة الناشئة.
إنه ذو النورين.. شرفُ المصاهرة وفيض البركة
لم يحُز أحد في التاريخ شرفاً يضاهي ما حازه عثمان؛ إذ اصطفاه المصطفى صلى الله عليه وسلم ليكون صهراً له، فزوّجه ابنته رقية، ثم أم كلثوم -واحدة تلو الأخرى- فاستحق بلقبه "ذي النورين" أن يكون فريد عصره. ولم يكن هذا اللقب مجرد وصف لنسب صهر شريف، بل كان وساماً لروح أحبها النبي صلى الله عليه وسلم حباً جمّاً، وشهد لها بطهر السريرة وصفاء الوجدان. كان عثمان للنبي صلى الله عليه وسلم كاليد المعطاءة، والساعد الأيمن في الملمات، وباباً للخير لا يرتج؛ ليجسد معنى "الأهلية" في أبهى صورها: نسباً، وخلقاً، وعطاء.
إنه عبقرية السخاء.. حين يسيل المال في مرضاة الرحمن
كان عثمان "عملاق الجود" بلا منازع، فلم يضنّ بمال، ولا بجهد، ولا بنفس في سبيل الله. ومن ينسى وقفته يوم "جيش العسرة" في تبوك؟ حين جاء بألف دينار صبّها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فتهلل وجه المصطفى وقال قولته الخالدة: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم». ومن ينسى حين ابتاع "بئر رومة" بماله الخاص وجعلها للمسلمين مشرعاً بلا ثمن، لينقذهم من غائلة العطش؟ لقد جعل عثمان من ثروته "أداة" لنصرة الدين، و"بلسماً" لجراح المعوزين؛ فما كان المال في يده إلا "وديعة" يردّها إلى واهبها سبحانه بصورة "وقف" ممتد الأثر إلى يوم القيامة.
إنه عثمان.. حياء الروح وميزان الوقار
تجلت عظمة عثمان في تلك الخصلة التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: «ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة؟». لم يكن حياؤه مجرد خجل عابر، بل كان "تورعاً" شاملاً، و"خشيةً" بالغةً من الله في السر والعلن؛ فغضّ طرفه عن الحرام، وصان لسانه عن اللغو، وعفّ نفسه عن الدنايا. كان وقارُه يفرض المهابة في القلوب، لا بسطوة سيف، بل بإجلال لروح طاهرة. وقد غدا حياؤه مضرباً للأمثال، فكان المؤمنون يستحيون من جلال خلقه، وكان هو رضي الله عنه القدوة الشامخة في الورع والعفة.
إن من أعظم مآثر ذي النورين وأبقاها على مر الأجيال، هو جمع القرآن الكريم في مصحف واحد على لسانٍ واحد؛ "لسان قريش". لقد كان عملاً جليلاً وأداً به بوادر الفتنة والاختلاف بين المسلمين، وجمع كلمتهم على كتاب الله، ليظل "المصحف العثماني" هو المرجع الأوحد للأمة في مشارق الأرض ومغاربها، وشاهداً حياً على حرصه على وحدة الصف، وسلامة العقيدة، وحفظ النص السماوي من التحريف أو الضياع.
ختم عثمان بن عفان -رضي الله عنه- حياته كما عاشها: شامخاً، صابراً، وفياً لعهد الله. نال الشهادة وهو صائم يتلو آيات الكتاب، وقد أبت نفسه الكريمة أن يُسفك دمُ مسلمٍ بسببه، فآثر التضحية بنفسه دون أن تُراق قطرة دمٍ واحدة من رعيته في سبيل الدفاع عنه، ليجسد أسمى صور "الإيثار" و"الوفاء". سيظل عثمان "نبراساً" للحياء، و"ميزاناً" للورع، و"مُلهم" الأمة في جمع الكلمة، وتظل قصة استشهاده درساً في الصبر، وشهادة على مظلومية حاكم عادل فدى أمته بدمه.
ولا نزال إلى اليوم نرى بركة صدقاته تجري في الأمة؛ إذ حافظ حكام المسلمين على أوقافه، حتى غدا له -بفضل الله- سجلّ عقاري وحساب بنكي في بلاد الحرمين الشريفين، ليبقى رمزاً خالداً للعطاء الذي لا ينقطع، رضي الله عنه وأرضاه.