آخر تحديث :الأحد-05 أبريل 2026-11:30م

حرب الاستنزاف الثلاثية: إيران وإسرائيل وأمريكا… والسعودية كعقل التوازن الأخير

الأحد - 05 أبريل 2026 - الساعة 10:37 ص
م. صالح بن سعيد المرزم

بقلم: م. صالح بن سعيد المرزم
- ارشيف الكاتب


في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الأحداث بحجم النار المشتعلة، بل بقدرة العقول على إدراك ما يجري خلفها. وما تشهده المنطقة اليوم لم يعد مجرد تصعيد عسكري عابر، بل هو صراع ثلاثي مفتوح بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، تتداخل فيه الجغرافيا مع السياسة، وتتشابك فيه المصالح مع القوة.


لم تعد الولايات المتحدة في هذا المشهد لاعبًا من خلف الستار، بل أصبحت طرفًا منخرطًا فعليًا، تتحرك ميدانيًا، وتدفع بثقلها العسكري والسياسي، وتتعامل مع المواجهة باعتبارها امتدادًا مباشرًا لمصالحها الحيوية. وفي المقابل، تخوض إسرائيل هذه الحرب دفاعًا عن تفوقها الاستراتيجي، فيما تتحرك إيران لتثبيت حضورها كقوة إقليمية قادرة على الصمود والردع.


غير أن أخطر ما في هذا المشهد ليس تعدد الأطراف، بل سوء قراءته. فهناك من لا يزال يختزل الحرب في ثنائية سطحية، أو يقرأها بعين الشعار لا بعين الواقع، فيقع في وهم الاصطفاف العاطفي، بينما الحقيقة أن كل طرف يتحرك وفق حساباته، لا وفق الروايات التي يُسوّقها.


إنها ليست حرب “تحرير” بالمعنى البسيط، ولا مواجهة أخلاقية صافية، بل حرب استنزاف معقدة، تُدار فيها الضربات بعناية، وتُستخدم القوة لإعادة ضبط الردع، لا لإنهاء الصراع. فالتصعيد، رغم حدته، لا يزال محكومًا بسقف غير معلن، يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، ويُبقي الجميع داخل دائرة الضغط المتبادل.


وفي قراءة أعمق، لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي الذي يشكل أحد أخطر أوجه هذه الحرب. فمضيق هرمز، بوصفه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح أداة ضغط استراتيجية. ومن هنا، يتضح أن الولايات المتحدة، التي أصبحت أقل اعتمادًا على نفط المنطقة مقارنة بغيرها، تجد في اضطراب هذا الممر الحيوي فرصة لإعادة توزيع الضغوط على الاقتصاد العالمي، خصوصًا على القوى الكبرى التي تعتمد بشكل أكبر على استقرار تدفق الطاقة.


وبهذا المعنى، فإن الحرب لا تُخاض فقط بالصواريخ، بل أيضًا عبر أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وممرات التجارة. فكل توتر في هذا المضيق ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، ويعيد تشكيل موازين القوة بشكل غير مباشر. ومع ذلك، فإن هذا البعد، رغم أهميته، لا يمكن عزله عن بقية العوامل، إذ تبقى الحرب في جوهرها شبكة معقدة من المصالح المتداخلة، لا تختزل في هدف واحد.


وهنا يتجلى الفارق بين من يقرأ الحدث، ومن يُستدرج إليه.


في هذا المناخ المشحون، حيث تختلط الروايات بالوقائع، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها النموذج الأوضح للدولة التي تفهم طبيعة اللحظة ولا تنخدع بها. فالسعودية لا تتعامل مع الحرب بمنطق رد الفعل، ولا تنجر خلف موجات الانفعال، بل تتحرك وفق رؤية تدرك أن أخطر ما في هذه الصراعات ليس اشتعالها، بل امتدادها وتداعياتها.


الحكمة السعودية ليست موقفًا عابرًا، بل منهج دولة يقوم على إدراك أن الحروب الحديثة لا تُخاض فقط بالسلاح، بل تُدار بالتوازن، وأن الدخول في صراع متعدد الأطراف دون أفق واضح ليس قوة، بل استنزاف. ولذلك، فإن الحفاظ على الاستقرار، وتعظيم القدرة الذاتية، وقراءة المآلات، هي في ذاتها أدوات قوة لا تقل أهمية عن أي تفوق عسكري.


ومن هنا، فإن القراءة الراجحة لمسار الحرب لا تشير إلى حسم قريب، بل إلى أحد ثلاثة مسارات محتملة: تصعيد أوسع يرفع الكلفة على الجميع، أو تهدئة مؤقتة تعيد ترتيب الأوراق دون حل جذري، أو استمرار حالة الاستنزاف التي تُبقي المنطقة في حالة توتر دائم.


وفي جميع هذه السيناريوهات، تبقى الحقيقة الثابتة أن الخطأ في التقدير قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، وأن المنطقة تقف على حافة مرحلة أكثر حساسية مما تبدو عليه.


لذلك، فإن الموقف السعودي لا يمكن فهمه كحياد، بل هو تموضع واعٍ خارج لعبة الاستنزاف، مع احتفاظ كامل بالقدرة على التأثير في مسارها. فالدولة العاقلة لا تثبت حضورها بالصوت العالي، بل بقدرتها على حماية مصالحها، وضبط إيقاعها، ومنع الآخرين من جرّها إلى معارك لم تخترها.


وفي زمن تختلط فيه الشعارات بالوقائع، تبقى السعودية تمثل عقل التوازن في منطقة فقدت كثيرًا من توازنها، وتؤكد أن الرزانة ليست ضعفًا، بل أعلى درجات القوة السياسية.


إنها لحظة يُختبر فيها وعي الدول قبل قوة جيوشها،

وتُقاس فيها الحكمة بقدرة الدولة على أن ترى ما بعد الحرب… لا فقط ما يجري داخلها.