لم يعد صعود الأمير محمد بن سلمان حدثًا عابرًا في سياق السياسة السعودية، بل تحوّل إلى ظاهرة استراتيجية تعيد رسم موقع المملكة في النظام الدولي.
نحن أمام نموذج قيادة لا يكتفي بإدارة التوازنات فحسب ! لكنه يعيد إنتاجها؛ ولا يتحرك داخل المعادلات، بل يعيد صياغتها من جديد.
فمنذ اللحظة الأولى بدا الرجل أشبه ما يكون بـ "لاعبٍ حرٍّ" في مسرح مزدحم بالقوى التقليدية وفي بحرٍ لا تتلاطم فيه الأمواج بقدر تنافسها.
وبالرغم من ذلك فقد انطلق الأمير بنمطيةٍ جديدةٍ في "الإدارة" وبسلوك حديث في "السياسة" فهو لا يتحرك وفق الحسابات الكلاسيكية، لا.. ولا يمكن أن يُقاس بمنطق الربح والخسارة اللحظي ! بل بمنطق "التمركز" بعيد المدى.
ففي ماراثونات السباق يقرأ ما بين السطور ثم يُقيّم تقييم البصير ليقدر وفق ذلك تقدير الخبير لتأتي مرحلة التدبير المبنية على ما سبق لينطلق منها إلى مرحلة التأثير والتي من خلالها يغير قواعد اللعبة ذاتها.
وبما أن السياسة في جوهرها "فن التموضع" فإن الأمير محمد بن سلمان سابقٌ في فهم هذه القاعدة قبل غيره ومتجاوزٌ أقرانه منذ وقت مبكر.
لم يقف عند تلك المنعطفات التي حاولت قوىً متعددةٌ حشر المملكة فيها وخفض سرعة الرجل سعياً منها لتغيير وجهته لكنه تجاوز كل ذلك إلى فضاءاتٍ هي الأوسع واضعاً في اعتباره حسابات "الحركة والسكون" وقواعد "سنن الكون" ومنطلقاً من معادلات السياسة التي على ضوئها يقرأ جيداً فقه اللحظة محولاً ذلك الفقه إلى سلوك على ضوئه يملأ الفراغات قبل أن تُملأ بغيره ويفتح الثغرات في الجدران الصلبة ويُحول الضغوط إلى فرص ثم يمتص الصدمات ويُعيد توجيهها.
ومن هنا يمكن القول بأننا لا نتحدث عن ردود أفعالٍ لدى الأمير الشاب، بل عن "هندسةٍ استباقيةٍ للواقع" عبر آلياتْ حديثةٍ تتمثل في هندسة النفوذ من خلال أدواتٍ "متعددةٍ" وعقلٍ "واحدٍ" يشتغل المشاريع عبر منظومة متكاملة متشابكة عبرها يتم تفعيل الأجهزة التي تُدير المشهد في العمق والتي تنتج أدواتَ تنفيذٍ مرنةْ وسريعةٍ.
أما المال فقد تميز الأمير بذكاءٍ عالٍ في توظيفه وفق نظريةِ "هندسة المال" بحيث لا يصبح المال هدفًا بل وسيلةً لإعادة توزيع القوة!
وبالنسبة للبترول فقد انتقل الأمير إلى مرحلة "ما بعد البترول".
ومن هنا تميزت تجربة الأمير محمد بن سلمان بنقلته النوعية في مسألة الثروة حيث لم يقف عند إدارة تلك الثروة بل تجاوزها!
لقد سعت قوىً كثيرةٌ إلى حصر السعودية داخل معادلة "النفط" لكن الأمير محمد بن سلمان بالتحول الجاري كسر هذه القاعدة، فالاقتصاد لديه يُعاد تشكيله خارج "الاعتماد الأحادي" والاستثمار في رؤيته يتحول إلى "أداة سيادة" ويُصبح التنويع "سياسة بقاء" لا خيارًا تكميليًا!.
وبالرغم مما شاب هذه المرحلة من محاولاتٍ لإحراق هذا المسار وعرقلة هذا الخيار والحيلولة دون الانطلاق إلا أن تلك المحاولات تحولت إلى بردٍ وسلامٍ على الأمير ورؤيته!
فكل فخٍّ نُصبَ لِسُمُوٌهِ إرتدّ على صانعه، وكل حفرةٍ حفرت له كان صاحبها أول من وقع فيها.
أما بالنسبة للسياسة الدولية فقد اقتحمها الأمير محمد بن سلمان مازجاً بين "التحالف والمرونة الحادة" و تعامل مع النظام الدولي بـ العلاقات لا بالعاطفة ومن هنا برز الوجه الأكثر براغماتية للأمير محمد بن سلمان في تعاملاته مع "التكتلات" حيث انطلق من قاعدة "البناء والتفكيك" معاً وحسب الضرورة! ومن ثم أدار أدوات الضغط من خلف الستار بقدراتٍ فائقةٍ على "التقمص" في موطنه و"الغضب" حين يلزم ومعتمداً على فهمه العميق لثوابت السياسة القائلة بأن: "الفراغ يُملأ بك أو بغيرك" وأنه "لا حبٌّ دائمٌ ولا كرهٌ أبديِّ" وأن على القائد الفذ أن يدير المصالح بـ "برودٍ استراتيجيّْ" وأن يحول "العواصف إلى مسارات".
ما يميّز هذه التجربة أيضاً كونها بدل أن تصطدم بالعواصف أعادت توجيهها بحيث حولت حملات التشويه إلى أدوات كشف للخصوم ومحاولات العَزْل إلى فرص تموضع، واستدعاء الماضي بالقفز إلى المستقبل.
وهنا تتجلى المعادلة الجديدة لـتجاوز "القيود" التي صاغها الأمير محمد بن سلمان القائلة:
(إنِ امتلكتَ الإرادة والقوة فأنت تخلق من نفسك قوةً طليقةً تعيد تعريف القيود ذاتها)!
وعلى ضوء هذه السياسات التجديدية تحولت المملكة على يد الأمير محمد بن سلمان تحولت من دولةٍ كلاسيكية إلى قوةٍ صاعدةٍ كون ما يجري ليس إصلاحاً داخلياً بل مشروع انتقالٍ تاريخيٍّ؛ بالإضافة إلى أنه على ضوء ذلك تحولت المملكة من دولة تعتمد على موقعها إلى دولةْ تصنع موقعها ومن قوةٍ إقليميةْ إلى لاعبٍ دوليٍّ ومن اقتصادٍ ريعيٍّ إلى اقتصادٍ متنوعٍ".
وبناء عليه فإن الأمير محمد بن سلمان لا يدير السعودية "كما كانت" بل يعيد خلقها كما "يجب أن تكون"!
وبما أننا في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء فإن الأمير محمد بن سلمان قد أثبت في رؤيته بأن المملكة لا يمكن أن تكتفي بأن تكون قويةً ضمن الأقوياء فحسب بل "الأقوى" بين جموع
الأقوياء.
ويبقى السؤال:
أكو عرب ؟!