آخر تحديث :الأحد-05 أبريل 2026-11:30م

الى المسؤولين عن تأمين الغاز المنزلي... أتحدث

الأحد - 05 أبريل 2026 - الساعة 09:12 م
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


في الأزمنة العادية، قد يبدو الحديث عن القيم رفاهية فكرية، أو ترفًا أخلاقيًا يمكن تأجيله. لكن في زمن الأزمات والحروب، تتحول القيم إلى خط الدفاع الأخير عن إنسانية المجتمع، ويغدو الضمير العام هو الفاصل الحقيقي بين البقاء الجماعي والانهيار الشامل.

لطالما قيل إن الشدائد تكشف معادن الناس، وهي مقولة لم تأتِ من فراغ. ففي أحلك الظروف، حين تضيق الموارد وتشتد الحاجة، تميل المجتمعات بطبيعتها إلى التماسك، وتقترب القلوب، وتسود روح التكافل، حتى يكاد الناس يصبحون كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى. هكذا يفترض أن تكون المجتمعات حين تواجه الخطر: أكثر رحمة، وأكثر وعيًا بمصيرها المشترك.

غير أن الواقع لا يسير دائمًا وفق هذه الصورة المثالية. فلكل قاعدة شواذ، وهؤلاء الشواذ لا يختفون في الظل، بل يبرزون بوضوح في لحظات الانكسار الجماعي، حين تتحول المسؤولية إلى فرصة، والأمانة إلى بابٍ مفتوح للثراء غير المشروع.

في قلب هذه المأساة، يقف أولئك الذين أُنيطت بهم مهمة تأمين احتياجات الناس الأساسية؛ الوقود والغاز المنزلي، وغيرها من مقومات الحياة اليومية. كان يفترض بهم أن يكونوا خط الإسناد الأول للمجتمع، وأن يتحملوا عبء المسؤولية بقدر ما يحملون من سلطة أو قدرة. لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو العكس تمامًا: يتحول هؤلاء من خُدّامٍ للمصلحة العامة إلى تجّار أزمات، ومن حماةٍ للحاجات الأساسية إلى مستغلين لها.

لا ترى في سلوكهم إلا جشعًا يتضخم كلما ازداد ألم الناس، ولا تلمس في قراراتهم إلا خيانة صامتة لثقة أُودعت فيهم. يقفون على مسافة باردة من طوابير طويلة تمتد لساعات، وربما لأيام، حيث ينتظر الناس أسطوانة غاز. نساء يحملن عبء الأسر، وأطفال ينهشهم البرد أو الجوع، وشيوخ أنهكهم الانتظار… بينما تمرّ مصالح هؤلاء المسؤولين عبر قنوات موازية، بعيدة عن أعين المحتاجين، وقريبة من حسابات الربح.

في مثل هذه اللحظات، لا يكون الفقر هو الكارثة الكبرى، بل غياب العدالة. ولا تكون الندرة هي المشكلة الأخطر، بل تحويلها إلى أداة ابتزاز. فحين تُختزل الحاجة الإنسانية إلى رقم في معادلة الربح، يفقد المجتمع أحد أهم عناصر توازنه: الشعور بالإنصاف.

وفي مفارقةٍ لا تخلو من مرارة، يأتي هذا المشهد في وقتٍ يُفترض فيه أن الإنتاج المحلي من الغاز كافٍ لتغطية احتياجات المحافظات المحررة، بل وتجاوزها. غير أن الواقع يسير في اتجاهٍ مغاير، حيث تتكرر الأزمات بصورة تثير كثيرًا من التساؤلات حول أسبابها الحقيقية.

يشير مراقبون إلى أن هذه الأزمات لا تعود فقط إلى شح الموارد، بقدر ما ترتبط باختلالات في منظومة التوزيع، ووجود شبكات مصالح داخل بعض الجهات المعنية، يُتهم أفرادها بتوجيه كميات من الغاز إلى خارج إطارها الطبيعي، سواء عبر التهريب أو إعادة البيع في أسواق موازية، بحثًا عن أرباح أكبر.

وفي ظل غياب الشفافية الكافية، تبقى هذه الاتهامات دون حسم واضح، لكنها تكتسب وزنها من تكرار الأزمات، واتساع الفجوة بين ما يُعلن من توفرٍ في الإنتاج، وما يعيشه المواطن فعليًا من ندرة ومعاناة.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط ما تخلّفه من معاناة آنية، بل ما تزرعه من تصدعات عميقة في البنية الأخلاقية للمجتمع. فحين يرى الناس أن من يُفترض أنهم حماة مصالحهم هم أول من ينتهكها، تتآكل الثقة، ويحلّ الشك محلّ التضامن، ويتحوّل الإحساس بالمصير المشترك إلى شعور بالخذلان الجماعي.

وهنا تبدأ دائرة الانهيار: يفقد الناس ثقتهم بالمؤسسات، فيلجؤون إلى وسائل فردية للبقاء، حتى وإن كانت على حساب الآخرين. ومع الوقت، يتطبع السلوك الانتهازي، ويصبح الاستغلال “ذكاءً”، والالتفاف على القوانين “مهارة”، والرحمة “سذاجة”. عندها، لا نكون أمام أزمة موارد فحسب، بل أمام أزمة قيم تهدد ما تبقى من تماسك المجتمع.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأخلاقي حاضرًا بإلحاح لا يمكن تجاهله: كيف يستطيع هؤلاء النوم؟ كيف يهدأ لهم ضمير وهم يدركون أن ثرواتهم تنمو من وجع الآخرين؟ وكيف يطعمون أبناءهم من مالٍ صيغ من معاناة الناس؟

قد لا تكون لهذه الأسئلة إجابات سهلة، لكنها تظل ضرورية. لأن طرحها في حد ذاته فعل مقاومة، وتذكير بأن ما يحدث ليس طبيعيًا، ولا ينبغي القبول به كأمر واقع. فالمجتمعات لا تنهار فقط حين تنفد مواردها، بل حين تفقد قدرتها على التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الحق والاستغلال.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون فقط عبر القوانين والرقابة، رغم أهميتهما، بل تبدأ أولًا بإحياء الحس الأخلاقي العام، وتعزيز ثقافة المساءلة، ورفض تطبيع الفساد مهما كانت مبرراته. فكل صمتٍ عن استغلال معاناة الناس هو، بشكل أو بآخر، مشاركة في تكريسه.

وفي الختام، يبقى على أولئك الذين تخلّوا عن مسؤولياتهم، وسمحوا للجشع أن يطغى على واجبهم، أن يدركوا أن صبر المجتمعات ليس بلا حدود، وأن تراكم المعاناة قد يتحول في لحظة ما إلى رد فعلٍ لا يمكن احتواؤه. فالتاريخ يخبرنا أن الظلم حين يتمادى، لا يسقط فجأة فقط، بل يترك وراءه ما لا يُبقي ولا يذر.