آخر تحديث :الإثنين-06 أبريل 2026-02:53م

ندية العنف في اليمن !

الإثنين - 06 أبريل 2026 - الساعة 12:08 م
علي عبدالإله سلام

بقلم: علي عبدالإله سلام
- ارشيف الكاتب


منذ سنوات، واليمن لا يعيش مجرد صراع على السلطة، بل صراعًا على المعنى ذاته؛ معنى العدالة، ومعنى الدولة، ومعنى أن يكون الإنسان في مأمن من بطش القوة. غير أن ما يلفت الانتباه في هذا المشهد الممتد منذ عام 2011، ليس فقط تعدد الأطراف، بل تشابه الخطاب الذي يدافع به أنصار كل طرف عن ممارساته، عبر ما يمكن تسميته بـ"ندية العنف".

منذ أحداث 2011 وسقوط نظام علي عبد الله صالح، ظلّ هذا الأخير حاضرًا في الخطاب السياسي بوصفه معيارًا للمقارنة. فأنصار جماعة الحوثي، منذ سيطرتهم على صنعاء في 2014، لم ينكروا وقوع الاعتقالات أو التضييق أو اقتحام الحرمات، لكنهم كثيرًا ما واجهوا الانتقادات بعبارة جاهزة: "أيام عفاش كانت أشد قسوة". وهكذا، يتحول الماضي إلى مظلة تُخفف من ثقل الحاضر، لا إلى درس يُستفاد منه.

الأمر ذاته تكرر في الجنوب، حين برز المجلس الانتقالي الجنوبي وسيطر على عدن في 2017. في تلك المرحلة، ووسط اتهامات بانتهاكات واعتقالات، لم يكن الرد غالبًا إنكارًا بقدر ما كان مقارنة: "ما يحدث إجراءات أمنية، وما سبق كان أسوأ". وكأن الشرعية الأخلاقية تُستمد من سوء الآخر، لا من سلامة الفعل ذاته.

ثم جاءت المرحلة الأحدث، مع تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في 2022 بقيادة رشاد العليمي، لتعيد إنتاج ذات الخطاب. فعلى الرغم من الانتقادات التي طالت أداء السلطة، خاصة في التعامل مع الاحتجاجات والاعتقالات في بعض المحافظات، برز صوت أنصارها ليؤكد أن ما يحدث "لا يُقارن" بما جرى في فترات سابقة، سواء في عهد الحوثيين أو المجلس الانتقالي.


ففي فبراير 2026، وثّقت تقارير حقوقية استخدام القوة المفرطة ضد متظاهرين، شملت إطلاق النار واعتقال العشرات في مدن مثل سيئون، حيث تم احتجاز بعضهم دون توجيه تهم وفي ظروف قاسية. ثم جاءت أحداث أبريل 2026 في المكلا لتؤكد المشهد بشكل أكثر دموية، حيث قُتل عدد من المتظاهرين وأُصيب آخرون بعد أن أطلقت قوات أمنية الرصاص الحي لتفريق احتجاجات، وسط اتهامات باعتقال العشرات ومنع المحتجين من الوصول إلى أماكن التظاهر.

ورغم فداحة هذه الأحداث، لم يغب الخطاب المألوف. قيل إن ما حدث "إجراء أمني"، وإن هناك "عناصر مسلحة"، وإن الدولة "تحمي الاستقرار". وهي ذات العبارات التي قيلت في كل المراحل السابقة، مهما اختلفت القوى المسيطرة.

هنا، تتجلى "ندية العنف" في أوضح صورها:

ليس إنكارًا للانتهاك، بل تبريرًا له بالمقارنة.

وليس دفاعًا عن الحق، بل تقليلًا من حجم الخطأ لأنه "أقل من غيره".

هكذا، ومن 2011 إلى اليوم، تتغير الوجوه وتبقى الحجة واحدة: "لسنا الأسوأ". وهي حجة، في ظاهرها دفاع، لكنها في جوهرها تنازل خطير عن مبدأ المساءلة. إذ لا يعود السؤال: هل ما يحدث صحيح؟ بل يصبح: هل هو أقل سوءًا مما سبق؟

إن "ندية العنف" بهذا المعنى ليست مجرد خطاب سياسي، بل ثقافة تُنتج القبول التدريجي بالانتهاك. فحين يُقاس الظلم بغيره، يفقد صفته المطلقة، ويتحول إلى رقم في سلم المقارنات. وحين يُبرر القمع بسابقه، يُصبح المستقبل مرتهنًا لتكرار ذات الدائرة.

في اليمن، لم يعد الماضي يُستدعى للمراجعة، بل للمقايضة. وكل سلطة، أيًّا كان موقعها، تجد في تاريخ غيرها ما يكفي لتبرير أخطائها. لكن الحقيقة التي تتوارى خلف هذا الضجيج تظل بسيطة وصارمة: العنف هو العنف، والفساد هو الفساد، لا يُخففهما أن يكونا أقل مما كان.

إن الخروج من هذه الدوامة لا يبدأ بتغيير الأطراف، بل بتغيير المعيار. معيار لا يقبل المقارنة حين يتعلق بالحقوق، ولا يمنح البراءة لأن غيره كان أكثر إدانة. فالأمم لا تُبنى على ذاكرة تُبرر، بل على وعي يُحاسب.


فكسر هذه الدائرة لا يبدأ بتغيير الوجوه، بل بتغيير اخلاق ترفض القتل حتى لو كان "أقل"، ويرفض القمع حتى لو كان "مبررًا"، ويرفض الفساد حتى لو كان "أخف".

فالعنف هو العنف،

والفساد هو الفساد،

ولا عنف يجب أن يتحول إلى عذر.